الخميس، 25 أغسطس 2011

عسكري يا عسكري ... يا عسكري

عسكري يا عسكري ... يا عسكري
هالثورة كرامة إلك ... وحرية إلي
سوريا آدت آدت ... آدت شعلة نار
والأمن والشبيحة ... عبيفرو فري
عبيفرو عبيفرو ... عجل يا عسكري

نحنا ثرنا وجينا ... لا تقمعنا
ولَ ألله صلينا ... الحق والله معنا

أنا بدي منك هبة ... تحرر أرضي وشعبي
وتسقط هالنظام ... وتحل المشكلي
عبيفرو عبيفرو ... عجل يا عسكري


بالحرية طالبنا ... حاربونا
وشافولُن كم  تهمة ... وتهمونا
هالمرة اوأف معنا ... نصرنا ولا تضبعنا
بيكفي شو انقمعنا ... وشو حملنا غلي
عبيفرو عبيفرو ... عجل يا عسكري


عبيفرو عبيفرو ... وينك يا عسكري

الأربعاء، 29 يونيو 2011

قل لي بربك !



قل لي بربك ؟!


أبَعدَ كل ما اقترفت يداك ...
وبعد كل من قتلت ...

وبعد كل من شردّت ...
وبعد كل من يتّمت ومن رمّلت.
أبعد كل من فجعت!



أوَ نهيم بحبك؟!
أم لا نرتضي أحداً سواك؟!


قل لي بربك!


أبعد كل ما اجترعنا من أذاك ...
وبعد كل من سجنت ...
وبعد كل من عذّبت ....
وبعد كل من غيّبت ومن روعّت.
أَبَعدَ كل ما صنعت !



أوَ نبقى بقربك؟
أم لا نرتضي أحداً سواك؟

قل لي بربك ؟!


أبعد أن أوردتنا سُبُل الهلاك ... 
وبعد كل ما سلبت ...
وبعد كل ما نهبت   ...
وبعد كل ما  حرّقت وما  دمّرت.
أبعد كل ما أفسدت!!


أوً نرضى بحزبك؟
أم لا نرتضي أحداً سواك.


قل لي بربك !!

الأحد، 26 يونيو 2011

المعارضة السورية بين سندان الواقع ومطرقة المسؤولية

اعتمد حزب البعث العربي الاشتركي على سياسة الإقصاء كاستراتيجية سعى لتطبيقها منذ يومه الأول في السلطة، فبدأ بإقصاء القوى والأحزاب التقليدية التي كانت تنافسه آنذاك، ثم تدرج هذا الإقصاء ليشمل النخب داخل أجنحته ثم تطور داخل النخبة الواحدة، وبعد صراع مرير بين حافظ الأسد وصلاح جديد استتب الأمر في النهاية بإقصاء الثاني وانفراد الأول بالسلطة فيما سُمّي بالحركة التصحيحية.

استمر حافظ الأسد في حكم سوريا على مدى تسعة وعشرين عاماً بنفس نهجه الأول وهو إقصاء الآخر، كل الآخر، معتمداً على تفصيل الدستور على مقاسه ومقاس حزبه عبر جبهة تقدمية كرتونية يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي كواجهة كرتونية أخرى لحكم فرد واحد استطاع أن يجمع كل خيوط اللعبة السياسية بيده بمباركة أو بصمت من معظم القوى الإقليمية والدولية التي كان همها الأول استقرار الجار الأقرب والأخطر على أمن إسرائيل، ولم ينته حكم الأسد بوفاته بل استمر بنقل سلطته إلى وريثه الذي ورث عنه نفس السلطة و ذات الأدوات والتي كان أهمها الإقصاء باستثناء تغييرات شكلية وطفيفة لبعض التكتيكات التي استوجبتها المستجدات المتلاحقة.

ونتيجةً لهذه السياسة التي اعتمدت إسكات كل صوت معارض مهما كان ضعيفاً، بالعنف والإرهاب تارة والتخوين واستخدام المتنافسين داخل قوى المعارضة لشق صفها من الداخل تارةً أخرى، مما أدى في نهاية المطاف إلى اختفاء قوى المعارضة المتمثلة بالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني من الداخل السوري تدريجياً، حتى الغي دورها جميعاً من الحياة السياسية ولم يتبق إلا الأحزاب الكرتونية آنفة الذكر والتي تدور في فلك الحزب الأوحد وتصفق للزعيم الأوحد، أما المعارضة الحقيقية ومن يمثلها فقد كان مصيره التصفية الجسدية أو السجن أو المنفى قسراً كان أم اختياراً.

 
ثم كان انتقال الثورة إلى سوريا بعد اندلاعها مطلع العام الحالي في تونس ومن بعدها مصر وليبيا واليمن أمراً بديهياً، فسورياً وطن تحكمه سلطة مستبدة انتجت مجتمعاً ضعيفاً ومفككاً لم يجد من يمثله إلا السلطة ذاتها التي أفسدته واستبدت به، الأمر الذي أدى إلى ميلاد ثورة شعبية بامتياز، فكانت ثورة دون أب يفرض وصايته عليها، وهو أمر جيد من ناحية ولكنه من الناحية الأخرى يعني أنها ثورة بدون رأس يوجهها إلى تحقيق أهدافها ويصحح مسارها إذا حادت عنه ويعيد النار إلى جذوتها كلما خبا وهج تلك الجذوة.

ومع مرور الأيام وارتفاع وتيرة الاحتجاجات التي صب النار على زيتها عشوائية وتخبط الحل الأمني الذي انتهجه النظام السوري في البداية كحل مبدئي ووحيد للأزمة، بدأت بعض الشخصيات المعارضة المتواجدة بالخارج من مثقفين وأدباء ومفكرين ومعارضين سياسيين ونشطاء حقوق إنسان بالظهور لافتين أنظار العالم لما يقوم به النظام السوري من أعمال وحشية لقمع المظاهرات التي تندلع في شتى أنحاء الوطن السوري ومفندين لمقولات وادعاءات من يصدرهم النظام السوري للدفاع عنه.

ومع انقضاء ما يربو على مئة يوم من الاحتجاجات بدا واضحاً بأن الثورة قد اجتازت مرحلتها الأولى وتحولت من احتجاجات متفرقة لمجاميع مختلفة الأحجام في مناطق تتبع لمحافظات ريفية الطابع، إلى تجمعات كبيرة تحتشد في عمق المدن كحماة وحمص واللاذقية ودير الزور وغيرها، وواكب تصاعد الاحتجاجات الشعبية تشكل نواة حقيقية لمعارضة شعبية في الداخل السوري تبلورت عبر ما تم تسميته بالتنسيقيات الخاصة بكل مدينة ومحافظة على حدة ومن ثم اتحاد هذه التنسيقيات، لتقوم بتنظيم المظاهرات والإشراف عليها.

في حين أدرك النظام السوري مبكراً بأن الأفواه التي كممها، ولم يتح لها المجال بالمعارضة داخل سوريا واضطرارها إلى مغادرة القطر خوفاً من الاعتقال والتنكيل إن هي ارتفعت وهروباً من الكبت والشعور بالعجز إن هي ظلت صامتة، أدرك أن هذه الأصوات بدأت تشكل خطراً عليه، لأنها باتت تجد آذاناً صاغية لدى الرأي العام الإقليمي والعالمي لما تمتلكه من إمكانيات علمية وثقافية ومعلومات موثقة وحجة قوية، ولكنه لم يعترف بها كمعارضة وإنما كال لها الاتهامات بالعمالة والخيانة والتحريض على مشروعه المقاوم والممانع والرافض للسياسات الامبريالية وما إلى هنالك من اتهامات أصابت السوريين بالصداع والغثيان من كثرة تكراره الممجوج لها.

بعد كل هذا الوقت من عمر الثورة أصبح لزاماً على جميع أطياف المعارضة السورية المتواجدة داخل الوطن السوري (الصامتة منها سابقاً والوليدة بفعل الثورة نفسها) وخارجه (المنفية قسراً أو اختياراً) أن تدرك بأن مصير هذه الثورة التي صنعها أبناء الشعب السوري وشكلوا بدمائهم و أرواحهم وقودها رهن بجدية وقدرة هذه الأطياف وحسن تصرفها، ولكي تنجح هذه المعارضة في إسقاط النظام السوري (المتماسك حتى الآن بفعل قدرته القمعية وتوحد مصالح مكوناته مرحلياً) لا بد لها من تحقيق كثير من النقاط التي سأحاول إيجازها فيما يلي:

أولاً: المرحلة الحالية مرحلة نضال وكفاح ضد أعنف وأقسى نظام استبدادي عرفه تاريخ سوريا القديم والحديث، لذا وجب على كل معارض وطني شريف أياً كان انتماءه الديني أو السياسي أو الإثني التعالي على المصلحة الذاتية والفئوية الضيقة، وعدم التفكير في المكاسب والمغانم المستقبلية التي لن تأتي أصلاً دون إسقاط هذا النظام الغاشم، فالهدف الأول والأخير هو التحرر من هذا النظام بطريقة سلمية مشروعة، وعلى جميع الطامحين بالسلطة من معارضين أن يتذكروا بأن هناك من يضحي بدمه وروحه و ربما أمن عائلته وذويه من أجل نيل الحرية التي سيقرر بموجبها من يحكمه.

ثانياً: تجاهل جميع الخلافات الناتجة عن اختلاف الأيدلوجيات ولو بشكل مؤقت، وتأجيلها إلى ما بعد إسقاط نظام الحزب الواحد وبناء الدولة الديمقراطية التي تضمن حرية تشكيل الأحزاب وتضمن انتخابات نزيهة يختار كل سوري فيها من يمثله، وإن لم تكن تلك المرحلة بتلك الطوباوية فعلى الأقل لن يكون أي طرف في حال حصوله على أكثر من النصيب الذي يستحقه في السلطة بنفس السطوة التي يمتلكها النظام الحالي وبالتالي لن يستطيع طرف إقصاء الآخر طويلاً كما هو حاصل حالياً.

ثالثاً: العمل على توحيد الصفوف (والحديث هنا موجه للمعارضة المتواجدة في الخارج) وتناسي الخلافات الشخصية القديمة التي كانت سبباً في شرذمتها في الماضي، واعتبار جميع أطياف المعارضة وطنياً فيما عدا بعض المعارضين الذين كانوا جزءاً من النظام وتلطخت أيديهم بدماء شعبهم أو ذممهم بنهب أمواله، أو الذين تربطهم بالقوى الخارجية روابط وثيقة تتعدى التقاء المصالح إلى تنفيذ الأجندات وهم معروفون تماماً لجميع أطياف المعارضة.

رابعاً: العمل على ربط معارضة الداخل بمعارضة الخارج وصهرهما في بوتقة واحدة، وذلك بتشكيل جبهةٍ واحدة يمكن إطلاق صفة المعارضة الموحدة عليها، فهذه الثورة لم تكن لتستمر كل هذا الوقت لولا ما قدمه كلا الطرفين لها من تضحيات ودعم، وقد سمعنا من بعض المعارضين في الداخل تهماً لبعض من هم بالخارج بأنهم يقفزون إلى قطار الثورة ليحصلوا على نصيب لا يستحقونه ولا يوازي تضحية من هم في داخل سوريا، وأظن بأن أصحاب هذا الرأي مخطئون لأن معظم من خرج من سوريا معارضاً، إنما خرج مكرهاً أو فارّاً من التنكيل، في حين كان من يناضل اليوم في الداخل صامتاً حينها، علاوةً على أن كثير من الطاقات التي تعمل اليوم على إمداد الثورة إعلامياً إنما هي موجودة في الخارج ولو لم تكن كذلك لما انكشف الكثير مما يقترفه النظام من فظائع ومجازر.

خامساً: العمل على إنشاء قناة إعلامية جديدة أو اختيار أحد القنوات السورية المعارضة لتكون الناطق الرسمي باسم جبهة المعارضة الموحدة، ليتم من خلالها توجيه رسائل للداعمين للثورة السورية إقليمياً ودولياً تحضهم على نصرة هذه الثورة وتوضح لهم أهدافها ومطالبها، وتطلب منهم توجيه دعمهم المادي والمعنوي بالشكل الذي يحقق هذه الأهداف بعيداً عن الطائفية و المذهبية، وفي حال عدم توفر الامكانات يمكن تشكيل مجلس إعلامي أو تنسيقية مشتركة تعمل كناطق موحدٍ بإسم الثورة يندب أعضاؤه الذين يتم اختيارهم بالتوافق للظهور في وسائل الإعلام للحديث باسم الجميع في الداخل والخارج وليس باسم كل طرف على حدة، مما يضفي شرعية ويعطي قوة إضافية لجبهة المعارضة الموحدة وإن كان بعض هذا قد تحقق حتى الآن بصورة أقل.

سادساً: العمل على إنشاء صندوق مالي لاستقطاب الدعم لأهالي الشهداء والمصابين والمعتقلين وعوائلهم التي أصبحت بلا معيل، و كذلك الكثير من السوريين الذين تقطعت بهم الأسباب فلم يعودوا قادرين على إيجاد ما يسد رمقهم نتيجة للعنف والقمع والتجويع الذي انتهجه النظام وسينتهجه في المراحل المقبلة.

سابعاً: توجيه الرسائل إلى الداخل والخارج بأن موقف المعارضة من النظام لا يمس بممانعة الشعب السوري ضد السياسات الإسرائيلية وما يدعمها من سياسات إمبريالية تنتهجها الدول الكبرى، وأن استعادة الجولان سلماً أو حرباً ومؤازرة الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، هي من صميم الأولويات فعلاً لا قولاً كما يفعل النظام السوري.

أخيراً وليس آخراً، يجب علينا كسوريين ندعم هذه الثورة المباركة ونؤمن بمشروعيتها ونبل مقصدها أن ندرك بأن الفرصة التي أتاحها لنا أبناء هذا الشعب العظيم يصعب تكرارها مرتين، وأن أسلم الطرق وأقصرها وأقلها تكلفة (على  مستوى الدماء والحفاظ على وحدة التراب السوري) يمر عبر وحدة النخب المعارضة وتماسكها، ومن ثم حسن تصرف هذه النخب التي من المفترض أن تمثل كتلة الشعب الرافض للخنوع لهذا النظام الظالم، وأن أي تشرذم وتخاذل وأنانية لن يؤدي في النهاية إلاّ إلى خذلان هذا الشعب أو تكبيده المزيد من الدماء والمقدرات.

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

هل يدخل السوريون في النفق المظلم

أعترف كمواطن سوري أصنف نفسي معارضاً ورافضاً للعنف بكل أشكاله بأنه لم يتملكني هذا الكم من الحيرة طيلة حياتي كما تملكني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيرة ممزوجة بالترقب والخوف من المستقبل، وأعتقد بأن معظم السوريين شاطروني هذا الشعور بغض النظر عن موقفهم من الأحداث الجارية في سوريا وموقفهم من نظام بلادهم أو معارضيه.

لم يكن مصدر الحيرة والقلق حجم العنف الذي استخدمه النظام السوري لقمع الاحتجاجات التي اندلعت والتي عبر عنها المحتجون في مختلف أرجاء القطر بالتظاهر، لأن هذا الأسلوب في القمع بل وربما ما هو أكثر منه كان متوقعاً ومفهوماً، كما كانت هذه التغطية ذات الطابع المافيوزي التي اعتمدتها أجهزة إعلامه الرسمية والموالية، ولم يكن التوقع هنا يحتاج إلى رجم بالغيب أو عبقرية في التحليل، وإنما استوجب معرفة بسيطة بطبيعة هذا النظام واستقراءً عاماً لممارساته الأمنية طيلة العقود الماضية وخصوصاً عقد الثمانينيات وما رافق ذلك من تبريرات وروايات إعلامية لما حدث حينها، فالنظام قمعي وكاذب بامتياز منذ نعومة أظفاره، و قد أسس لوجوده منذ البداية على قمع مناوئيه بأبشع وسائل القمع وأكثرها شراسة، ثم استخدم نفس الوسائل مع تطويرها لتلائم مراحل استمراره، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة للقاصي والداني مما يجعلنا في غنى عن ذكرها هنا، كما أعتقد أن جميع الأفراد الذين قاموا بالتظاهر كتعبير عن احتجاجهم على ممارسات نظامهم كانوا يعلمون مسبقاً رد فعل النظام قبل إقدامهم على ما أقدموا عليه وربما كان شعورهم هذا أكبر دافع على استمرارهم بالاحتجاج رغم كل هذا العنف، فلا يوجد سبيل آخر للخلاص إلا دفع الفاتورة من الدماء، والتأجيل لن يزيد هذه الفاتورة إلا تضخماً.

كما أن مصدر الحيرة والقلق لم يأت من ضعف المواقف الخارجية بشكل عام في إدانة عنف النظام، وإن تفاوتت هذه المواقف حدةً لكنها بلا شك لم تكن كافية أو حتى مساويةً أو مقاربة لمواقف جميع الأطراف الخارجية لما حدث في تونس ومصر وليبيا بل وحتى اليمن، فالجميع يعلم بأن الوضع السوري بالنسبة للأطراف الخارجية أكثر حساسية وتعقيداً استوجبه موقع سوريا الجيوسياسي، رغم معرفة جميع الأطراف أن موجبات الثورة فيها داخلياً أكثر وضوحاً، واستبدادية نظامها وشموليته أكبر من بقية الأنظمة آنفة الذكر، لذلك تراوحت المواقف بين الإدانة الخجولة والتريث وانتظار ما ربما يسفر عنه قمع النظام للثورة من نجاح أو فشل.

فماذا إذن يستوجب الخوف علاوة على الحيرة والقلق أكثر مما حدث؟.

جواباً على هذا السؤال أقول وبشكل مباشر إنه الانقسام والتباين في المواقف ووجهات نظر السوريين أنفسهم مما حدث ويحدث (وأنا أعني الذين عبروا عن مواقفهم وأبدوا وجهات نظرهم من مختلف مكونات الشعب السوري ولا أعني الصامتين خوفاً وإيثاراً للسلامة)، نعم هذا التباين والانقسام الذي أصبح واضحاً جداً وبات مدعاةً حقيقية للقلق، مع أنه كان متوقعاً نسبياً، لكن ليس إلى هذا الحد، وطيلة هذه المدة، فعلى المستوى الشخصي لم أكن أتوقع أن ينجح النظام في خلط الأوراق وجعل الأمور ضبابية إلى هذه الدرجة، ولم أكن أتوقع أن أجد من بعض السوريين (وبنسبة أقل بعض العرب بمن فيهم بعض المثقفين) من يدافع عن هذا النظام ويصدق روايته المليئة بالثقوب رغم مرور أشهر ثلاثة كاملة.

طبعاً هم يطرحون أسئلة معهودة هي في الغالب:
لماذا لم يعط النظام فرصة لتطبيق الإصلاحات التي وعد بها؟
وما هي شرعية موقف المحتجين والغالبية لم تشارك في الاحتجاج؟
ومن قال أن ما حدث لم يكن مؤامرة تستهدف سوريا ومواقفها؟
وأين البديل عن هذا النظام في غياب وجود نواة للمعارضة ؟.
وما إلى هناك من أسئلة تبدو مشروعة ومنطقية.

الإجابة على تلك التساؤلات لا تحتاج إلى كثير من الجهد:
- النظام أخذ من الوقت الكثير ولم يأت بأية إصلاحات بل على العكس تغلغل الفساد في كل ركن ومفصل في هذه الدولة، فلماذا يعد بالإصلاحات الآن، ولماذا نصدقه؟
- وإذا كانت شرعية التسعات الثلاث التي يستند عليها صحيحة فمن أين خرج كل هؤلاء الشباب الذين بصم كثير منهم بالدم على كلمة نعم في استفتاء الموافقة على رأس النظام، في حين أن نسبة النصف في تركيا العلمانية التي يحكمها حزب يصنف بأنه إسلامي النزعة تعد شرعية استثنائية؟
- أما عن عدم مشاركة قطاعات واسعة بالاحتجاجات فقد أجاب النظام عن ذلك بالبنادق والدبابات، ومن وقف في وجهه حتى الآن لا يعتبر محتجاً بل هو بطل ومشروع شهيد يدفع حياته ثمناً للتغيير.
- أما فيما يخص المؤامرة التي تقودها القوى الإمبريالية فلا أظن أن موقف هذه القوى  حتى الآن يدعم هذه الحجة، فقد واتتها الفرصة للتدخل وتصعيد اللهجة أكثر من مرة ولكنها ترددت فلماذا تعطي النظام كل هذا الوقت مع احتمال أن ينجح في وأد الثورة وهي لم تعط نفس الفرص لأكبر حلفائها في مصر وتونس، و حين أرادت التدخل في ليبيا لم تعدم الوسيلة ولم تمهل القذافي بل تدخلت عند أول سانحة، وعليه يجب عكس السؤال أليس بقاء النظام يعزز نظرية المؤامرة أكثر من الخلاص منه؟
- أما السؤال عن البديل فهو سؤال برسم موقف من يصر على الاقتناع بهذا النظام والدفاع عنه رغم كل ما سبق فلو انضم لأغلبية الشعب الصامتة أوالتي ثارت، فلن يكون من الصعب إيجاد بديل فعندما تتقارب المواقف وتتعاضد، يصبح التوافق على من يحكم أسهل بكثير من إسقاط النظام، ومن المعيب القول بأن سوريا بكل شعبها وتاريخها لا تستطيع إنجاب نخبة تستطيع إدارة شؤونها إلا هذه النخبة التي شهدنا حكمها لأربعة عقود عجاف.

وفي حال استمر هذا الانقسام والتباين في المواقف بهذه الكيفية فإن فقدان سيطرة النظام على الأرض لن تعني سقوطه وبالتالي لن تحقق هذه الثورة أهدافها ولن تكون هناك نهاية للمطاف، بل سيترتب على ذلك مرحلة تالية أخطر هي مرحلة الدخول في نفق مظلم، تزداد فيه الانقسامات وتتشعب، فالنظام في حالة فقدان السيطرة سيلجأ إلى تأجيل سقوطه ومحاولة النجاة بافتعال حرب أهلية تمهد لتدخل أجنبي ربما يستتبعه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ أو دول تقوم على أسس عرقية أو طائفية مما يعني خسارة الوطن بأكمله وفرار الجاني بفعلته دون عقاب.


إن المشكلة الحقيقية التي يجب على جميع أطياف المثقفين الذين ينتمون إلى المعارضة التغلب عليها وإيجاد حلٍ لها تكمن في هذه الجزئية لأنها تعبر للأسف عن حجم التشويه الذي طال تفكير ووجدان الشخصية السورية التي تنتمي إلى هذا القطاع ومدى التشويش الذي تعرضت له على مدى أربعين عاماً، ولأن النظام حتم على نفسه السقوط عند إطلاق أول رصاصه، فإن المدة التي يجب انتظارها و التكلفة التي يجب دفعها تبعاً لهذه المدة ستتفاوت تبعاً لمعالجة هذه الأزمة.

الأربعاء، 1 يونيو 2011

متلازمة الاستبداد والغباء

خمس ثورات في خمس دول في خمسة أشهر، شهد العالم العربي اندلاعها ضد أنظمة حكم جمهورية، أفضت اثنتان منها إلى إسقاط النظام في بلديهما وما زالت الثورات الثلاث الأخرى في ليبيا وسوريا واليمن تمضي في نفس الاتجاه وإن بطرق مغايرة نسبياً.

ففي حين دلل انتقال الثورة من بلد إلى آخر كانتقال النار في الهشيم على إدراك الشعوب لوجه الشبه الكبير فيما بينها كشعوب، ووجه الشبه بين الأنظمة التي تحكمها، غاب هذا الإدراك عن تلك الأنظمة، فلم يكد الرئيس التونسي المخلوع يعلن عن استيعابه لمطالب شعبه والذي قرر على إثره تشميع الخيط وإيثار السلامة، حتى انتقلت العدوى إلى مصر وجاء الدور على نظامها الذي صرح قبلها بأسابيع بأن مصر ليست كتونس إلا أن مصر لم تختلف عن تونس، ولم يستطع نظامها الصمود أكثر من ثمانية عشريوماً ليعلن الرئيس المصري على لسان نائبه تنحيه عن السلطة، ثم جاء الدور على نظامين آخرين لم يشذا عن نظامي مبارك وبن علي، وإن نحيا بالثورة في بلديهما منحىً آخر لكنهما قررا اتباع نفس الخطوات الأولى بحذافيرها وقررا المغامرة بمصيريهما ومصير شعبيهما بشكل دلل على ارتفاع الأنا لكل منهما فوق كل ثابت وطني أو قومي أو إنساني، ثم ما لبث السوريون أن أعلنوا عن بدء ثورتهم في الخامس عشر من آذار مارس وجاء دور النظام السوري ليعيد السيناريو في مراحله الأولى للمرة الخامسة وفي مراحله التالية للمرة الثالثة دون استفادة تذكر من التجارب السابقة .

لعل ما حدث يثير الاستغراب بحق، ولكن ما يدعو للدهشة و العجب ناهيك عن السخرية هو أن هذه الأنظمة كان ردها على أفعال الشعوب التي جثمت على صدورها لمدة تجاوزت الأربعين عاماً ينم عن غباءٍ وقلة حيلة شديدين، مع أن هذه الأنظمة سخرت كل إمكانيات الوطن لصالحها، وكان لديها الوقت الكافي لتتعلم كيف تطور فنون الحكم والسياسة وتنهض بشعوبها إلى مراتب أعلى من التقدم والرقي وتبقى في السلطة بإرادة شعوبها، لكنها ونظراً لطبيعتها الاستبداية وعدم وجود أية استراتيجية أو مشروع وطني حقيقي تستند عليه، علاوة على الفساد الذي نخر مفاصلها كنتيجة حتمية، لم تعد ترى مواطنيها شعوباً بل رعايا من طينة أقل شأناً من طينة الحاكم، فجاء رد فعل كل رئيس مطابق لمن سبقه ولا يكاد يشذ عنه أبداً، فالكل بدأ بالتجاهل والإنكار ثم بالقمع، ثم بتقديم تنازلات متأخرة، ثم باستعداد لفتح حوار، ثم استخدام مفرط للقوة (كما في ليبيا واليمن وسوريا)، ثم كان السقوط القسري تلقائياً أو بتدخل أجنبي (أو سيكون) ، وإذا استثنينا النظام التونسي الذي لم يتسنَ له الاستفادة من تجربة الآخرين كونه الثور الأبيض، فلا بد أن نقر بغباء ما تلاه من أنظمة.

المعطيات:

بإمكاننا أن نستنتج بوضوح مما جرى في الأقطار الخمسة أن بواعث الثورة نبعت مما يلي:

أولاً:
الحكم المطلق لفترات طويلة نتج عنه إحساس رئيس الجمهورية أو القائد بأنه يملك مقدرات البلاد وليس أميناً عليها، وكذلك إقصاء المعارضة الحقيقية أدى بالأنظمة إلى الجمود وعدم التطور، فلم تعد النخب الحاكمة مشحونة باتجاه التطور لانعدام أي قطب آخر، ففقدت الدافع على التخطيط والقيادة الذين يشكلان أهم وظائفها، فركنت إلى الخمول و التسابق في جمع الثروات، وأضحى الحاكم وجماعته شركاءً أصيلين في جميع الأعمال التجارية، وأصبحت مقدرات البلاد نهباً له ولحاشيته يتصرف فيها كما يشاء، ويبيعها لمن يشاء وبأي سعر يشاء، وقد غذّى ذلك كله إنعدام مطلق للخوف من المحاسبة، حتى لم يعد يتفنن في تغطية السرقة بل أصبحت سرقة مال الدولة وأراضيها على المكشوف.

ثانياً:
كأحد نتائج الاستبداد يصبح الدخول إلى دائرة الحكم مرتبطاً بالولاء المطلق، ولا يعتمد على الكفاءة الأمر الذي أوصل عديميها إلى أرفع المناصب القيادية في مختلف المجالات، ولأن الكفاءة تحتاج إلى فكر وعمل يؤديان بصاحبهما إلى الترفع عن النفاق ناهيك عن إحساسه بعدم الارتياح - على الأقل - عندما يضطر لتنفيذ الأوامر الصادرة عن جهة يعلم علم اليقين أنها أقل منه رصيداً فكرياً وكفاءة، مما اضطره إلى الانزواء والعزلة أو الخروج من وطنه بحثاً عن فرصة ترضي طموحه، وأصبح الميدان حكراً على الموالين قليلي الكفاءة فكانت النتائج كارثية.

ثالثاً:
لم يعد الحاكم يكتفي رغم سوء أدائه بالمجد الآني بل أراد أن يخلد بعد رحيله، وأن يستمر نسله أو ذووه من بعده، الأمر الذي شكّل سابقة خطيرة في التاريخ المعاصر لا تتسق مع السير الطبيعي للتاريخ، وقد يكون هذا العامل أهم العوامل الباعثة للثورة لأنه سد أفاق الأمل بمستقبل أفضل في وجه شرائح واسعة من المجتمع، الذي ثار رغم إحساسه بالضعف والتفكك عند أول سانحة ودون أدنى دراسة لجدوى الثورة وما سيدفعه ثمناً لها وهو موضوع سيشكل مادة غنية للبحث في أعماقها مستقبلاً.

رابعاً:
وكنتيجة طبيعية لما ورد في النقاط السابقة بدأ الفساد يتسع ويتغول بشكل لم يسبق له مثيل ليشمل كل قطاعات الدولة وفي كل مستويات الهرم، الأمر الذي أدى إلى تردي الخدمات والبنى التحتية وخاصة في المناطق الريفية، والأحياء المكتظة داخل المدن، وفي ظل عجزها عن تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين وتحت مسميات تحرير الاقتصاد بدأت الدولة بخصخصة القطاع الحكومي وهو الملاذ الأخير للمعدمين ومحدودي الدخل الذين يشكلون غالبية المجتمع، ليتم بيعه بصفقات مشبوهة صبت بشكل غير مباشر في جيوب الحاكم و أعوانه.

خامساً:
استوجب ما سبق اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم مما نتج عنه فقدان ثقة المواطن بالنظام الحاكم وهو شعور خطير جداً أفضى قبل اندلاع الثورة إلى ضعف الشعور بالمواطنة ومن ثم اللامبالاة وتضخم الأنا الشخصية للفرد على حساب الآخرين، وهو ما يفسر عدم اكتراث الشعوب بعد اندلاع الثورة بأي تنازل يقدمه نظامه الحاكم، بل يصبح التنازل بغض الطرف عن مصداقيته مؤشراً على ضعف السلطة التي لم يعتد المواطن منها إلا الإقصاء والتجبر، مما جعل المعادلة تبدو بحسب تعبير المتنبي : من أطاق التماس شيئٍ غلاباً واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا.

سادساً:
وكأحد النتائج المترتبة على سياسة الإقصاء الطويلة والممنهجة وانعدام المعارضة التي تملك القدرة على الفعل و كذلك اضمحلال دور مؤسسات المجتمع المدني، لم تجد الأنظمة أي طرف يملك رصيداً سياسياً يمكن أن تحاوره، أو تتنازل له عن جزء من الكعكة مقابل مساعدتها في تهدئة الشارع الثائر الذي لم يعد لديه مطلب أقل من إسقاط النظام لأنه في ظل انعدام الثقة وعدم وجود ضامن لا مناص لحدوث التغيير من سقوط النظام.

سابعاً:
لم يكن أحد من القادة الخمسة سالفي الذكر صالحاً أو مؤهلا للقيادة، لأنهم لم يملكوا أية استراتيجية أو رؤية حقيقية للمستقبل وظهر فهمهم للسياسة في طريقة معالجة الأزمة كفهم بائع خضار بالجملة للتجارة، يطلب سعراً أعلى في سلعته من السعر الذي ينوي أن يبيع به ليفاوض المشتري على تخفيض هذا الفرق وبذلك لن يمس بهامش الربح الذي يريده، وهو أمر قد يفيد في حلبة الخضار لكنه لا يفيد في سياسة الدول.

النتائج:

إذا نظرنا إلى كل قطر من الأقطار الخمسة على حدة وأجرينا مقارنة بينها نجد أن البواعث السابقة التي شكلت المعطيات تشابهت في جميع الحالات، وقد أدت إلى سقوط نظامي كل من بن علي ومبارك بفعل الثورتين الناجزتين، و عدم قدرة أنظمة القذافي وصالح والأسد على إيقاف قطار الثورة في أقطارهم لأنهم اتبعوا نفس الأساليب تقريباً، لذا ستكون النتيجة بالضرورة سقوط الأنظمة الثلاثة التي بدأت تتأرجح بشدة وإن كان شكل السقوط مختلفاً ومتفاوت التكلفة.

لقد أثبتت الثورات العربية بأن المستبد ومهما تفنن في الخداع إلا أنه غبي قصير النظر لايتعلم من أخطاء من سبقه ونهايته الحتمية مزابل التاريخ ليصبح فيها محطاً للعنات، وهو علاوة على ذلك خائن لوطنه وأبناء جلدته، لا يتورع عن التآمر مع أعداء أمته للبقاء أطول مدة على كرسي حكمه، فهل يفهم هذه الدروس من سيأتي بعد من مستبدين.

الاثنين، 23 مايو 2011

إع لام اللي استحوا وما ماتوا


لم يعد يخفى على أحد مدى تأثير الإعلام كأداة هامة ورئيسية لسياسة الشعوب، لدرجة أن البعض أغدق على الصحافة أقدم وسيلة من وسائل الإعلام لقب صاحبة الجلالة، وتم إضافتها عرفاً كسلطةٍ رابعةٍ مستقلةٍ في الدول التي تعترف باستقلال السلطات الثلاث.

ومع الانتشار المتزايد للإنترنت ودخولها إلى كل بيت وفي كثير من الأحيان إمكانية الوصول إليها من كل هاتف محمول، أضيفت وسيلة جديدة وعصرية إلى وسائل الإعلام وهي الوسيلة الإلكترونية، أوما بات يعرف مؤخراً بالإعلام الإلكتروني، وقد تميزت هذه الوسيلة بانتشارها السريع وتعدد وسائطها بين مقروء ومصور ومسموع ومرئي، وإمكانية تفاعل الأفراد معها بطريقة حيّة يصعب التحكم بها، حتى غدا الهاتف المحمول جهاز تحرير وتصوير وتسجيل وبث في آن واحد، ولا يحتاج الخبر إلا دقائق معدودة ليصبح متاحاً وبالدليل على مختلف المواقع الإلكترونية ومنها إلى شاشات التلفزة الفضائية.

 بعد هذه المقدمة التي ارتأيتها مدخلاً لهذه التدوينة التي عنونتها بـ "إع لام اللي استحوا وما ماتوا"، والذي قصدت به الإعلام السوري وخصوصاً قنواته التلفزيونية، الأرضية منها والفضائية، وما تخوضه هذه القنوات كممثلة رئيسية للسلطة الرابعة من حربٍ حقيقية للدفاع عن السلطات الثلاث التي يصعب التفريق بينها، والتي تخوض بدورها حرباً ضد رغبة الشعب السوري بالتغيير، الشعب الذي بدأ حراكه في منتصف شهر آذار الماضي مطالباً بالحرية والإصلاح ثم تصاعد هذا الحراك بفعل ما جوبه به من قمع وتنكيل لينتقل بمرور الوقت من مربع الحراك الاحتجاجي إلى دائرة الثورة (نكاية بخالد العبود)، بكل ما تحمله كلمة ثورة من معنىً، سقف مطالبها إسقاط النظام، تجتاح فعالياتها القطر السوري بأكمله من درعا في أقصى الجنوب إلى إعزاز والقامشلي في أقصى الشمال، ومن تل كلخ في أقصى الغرب إلى البوكمال في أقصى الشرق.

إذن، فطرفا الصراع على الأرض هم الثوار الذين يشكل الشباب غالبيتهم العظمى، وأجهزة الدولة من قوى أمن مختلفة ووحدات جيش خاصة ونظامية يضاف إليهم ما بات يعرف بالشبيحة. يواكب هذا الصراع صراع إعلامي لا يقل عنه ضراوة، طرفه الأول إعلام النظام السوري بمختلف وسائله (ومن ضمنها مواقع الانترنت)، وطرفه الثاني يمكن أن نسميه اصطلاحاً بإعلام الثورة ويتمثل بوسيلة شبه وحيدة هي صور ومشاهد الفيديو التي يتم رفعها على الشبكة العنكبوتية ومن ثم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة إقليمية منها وعالمية مع غياب تام لأي وسيلة إعلامية خارجية محايدة أو منحازة فما يتم بثه على جميع القنوات غير السورية منقول عن أحد الطرفين.

اعتمد الإعلام الرسمي السوري بكل وسائله  (وهو الإعلام الوحيد المتاح داخل سوريا) على الانحياز لرواية النظام فيما يحدث على الأرض كاستراتيجية، وأظهر الصورة بدايةً على أنها لمجاميع صغيرة ومتوسطة من المتظاهرين يطالبون بالإصلاح والتغيير يتم اختراقهم من مجموعات تخريبية تطلق النار على المتظاهرين وعلى قوى الأمن في آن واحد، هي تارة إرهابية وطوراً تخريبية تم تجنيدها بغرض زعزعة الأمن وتدمير المنشآت وبث الفتنة بين مكونات الشعب السوري، وساق في سبيل ذلك اعترافات لأفراد ألقي القبض عليهم وبحوزتهم أسلحة مزعومة تم تزويدهم بها من الخارج، علاوة على إفراد مساحةً غير محدودة للناطقين باسم النظام والمدافعين عنه والمداهنين له من فنانين ومثقفين وأساتذة جامعات ومحللين سياسيين هاجموا الطرف الآخر هجوماً كاسحاً متهمينهم بالانتماء إلى منظمات سلفية مدعومة من الخارج، وقد أفردت لهم القنوات الفضائية كالجزيرة والبي بي سي مساحة موازية لنشطاء حقوق الإنسان والناشطين السوريين محاولة إظهار المصداقية من خلال عرض الرأي والرأي الآخر.

أما الطرف الثاني فكان اعتماده الوحيد على مقاطع الفيديو التي يتم تسجيلها من مواقع التظاهرات بواسطة كاميرات الهواتف المحمولة ثم رفعها إلى موقع اليوتيوب أو إرسالها عبر البريد الالكتروني إلى ناشطين يقومون بدورهم برفعها إلى الموقع المذكور ومن ثم لفت الانتباه إليها بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر، حيث تقوم القنوات الفضائية المختلفة بالتقاطها وبثها كدليل وحيد على ما يجري على الأرض، مع لفت نظر المشاهدين بأن هذه المشاهد تم الحصول عليها عن طريق الشبكة العنكبوتية، عن طريق ناشطين.



ورغم الفارق الشاسع في الإمكانيات بين الطرفين إلا أن الصورة وصلت إلى العالم وحظيت بالاهتمام المطلوب و أصبحت الدليل المادي لما يحدث على الأرض، ولم يشأ الإعلام السوري الاعتراف به ونقلِه إلى العالم، فقد كان مشغولاً بسيناريو آخر وضعه أمام الرأي العام في خانة الدفاع بدلاً من خانة الهجوم شأنه شأن كل أجهزة السلطة الأخرى، و قد استطاع في مرات قليلة التشكيك في مصداقية هذه الفيديوهات لعدم إمكانية التحقق من مصدرها مدعياً حيناً بأنها مفبركة و غير حقيقية ويتم تمثيلها خارج القطر أو أنها أصلاً لأحداث في مناطق داخل سوريا ولكن يتم نسبها إلى مناطق أخرى للتأثير على الرأي العام والتدليل على اتساع رقعة المظاهرات، ناهيك عن أن التعتيم الشديد الذي مارسته السلطة على جميع وسائل الإعلام الخارجية هو الذي أدى إلى هذه الحتمية، الأمر الذي جعل من الممكن حتى لمؤيدي ومنسوبي النظام السوري إرسال فيديوهات تحتوي على معلومات مغلوطة ونسبها إلى مصادر الطرف الآخر ومن ثم الإدعاء بأنها كاذبة، فالإنترنت ليس حكراً على أحد، ورغم كل ذلك فقد نجح إعلام الثورة بوسيلته الوحيدة المتاحة بالاستحواذ على الاهتمام وتسجيل النقطة تلو النقطة ضد آلة إعلامية سخرت لها إمكانيات دولة بأكملها. 

فيديو البيضاء وأمطار الخير في الميدان:



أتوقف عند ما بات يعرف بفيديو البيضاء كدليل على طريقة تعامل الأطراف مع الإعلام وتأثيره على مصداقية الطرفين. فالفيديو بدايةً تم تصويره خلال اجتياح عناصر الأمن والجيش والشبيحة لقرية البيضاء القريبة من بانياس والتنكيل بأهلها لمشاركتهم في التظاهر والاحتجاج. وبرغم أن هذا الفيديو تم تصويره بواسطة الهاتف المحمول ولكن خلافاً للفيديوهات الأخرى فقد تم تصويره بواسطة أحد عناصر الأمن أو الشبيحة الذين كانوا يوسعون الأهالي ضرباً وإذلالاً في ساحة القرية يوم الثالث أو الرابع عشر من نيسان الماضي، ومن ثم تم رفعه إلى موقع يوتيوب و لم يتم التأكد إلى الآن مِن هوية مَن قام برفعه تحديداً فقد قيل بأن من صوره قام برفعه تفاخراً ثم تلقفه وقام بحفظ نسخة منه ورفعه بعد ذلك أحد ناشطي الثورة (لأن الفيديو وبعد عرضه بساعات قليلة أزيل من الموقع ثم رفع مرةً أخرى)، كما أشيع أيضاً بأن من صوره قام ببيعه بمبلغ 2000 ليرة سورية لأحد وكلاء المعارضين الذي قام ببثه لاحقاً، أو ربما يكون هناك احتمال ثالث بتسربه نتيجة لتبادله بين أفراد المجموعة التي صورته، ما يهمنا هنا أن الفيديو انتشر خلال ساعات قليلة انتشار النار في الهشيم وتناقلته وسائل الإعلام كصيدٍ ثمينٍ لما فيه من وحشيةٍ طاغيةٍ و لامبالاةٍ صارخةٍ بكرامة المواطنين العزل، لا يمكن أن تصدر إلا عن أفراد ينتمون لجهاز أمن يعتبر نفسه فوق القانون والمساءلة.

فؤجئت وسائل الإعلام السورية بالفيديو يبث على مختلف القنوات ظهر الجمعة الخامس عشر من نيسان، فما كان منها إلاّ أن سارعت لنفيه والادعاء بأنه لا يمت إلى البيضاء أو حتى سوريا من قريب أو بعيد، وإنما هو مصور منذ سنتين في شمال العراق وأن من يظهر فيه هم البشمركة يضربون مواطنيهم، و قد أفردت قناة الدنيا تقريراً تنقد فيه هذا الفيديو وتحاول الشرح والتوضيح وتسوق الأدلة التي تشير إلى أن هذه الأشكال لا تنتمي إلى الأمن السوري، وأن ملابس الجنود والأفراد من بزات عسكرية و أحذية لا تستخدمها عناصر الأمن ولا الجيش السوري، كما أنها استضافت مكالمة هاتفية لمتداخل عراقي يقسم بأغلظ الأيمان بأنه شاهد الفيديو منذ فترة طويلة وأنه حدث عنده في العراق، وقد انبرى المحللون السوريون من أمثال الدكتور الجهبذ عصام التكروري للدفاع عن نظامه متهماً القنوات الفضائية بعدم التحقق مما تقوم ببثه وإنعدام مصداقيتها وتردي مهنيتها، كل ذلك ولم تكلف أي جهة إعلامية سورية نفسها الاتصال بأحد مراسليها للتأكد من ساحة الحدث ومعرفة ما إذا كان ثمة احتمال أن يكون قد حدث فعلاً في البيضاء، ورغم كل ذلك اعتقدت أن العاصفة مرت وأنها كسبت نقطة مهمة باصطيادها من كان يحاول الاصطياد في الماء العكر، وصدقت كذبتها كما صدقته شريحة من المواطنين السوريين كونهم يثقون بإعلام نظامهم (وقد جادلني بعضهم مهاجماً الإعلام المغرض والمدفوع بالحقد والغيرة من موقف سوريا الممانع والمشرف).


إلا أن الطرف الآخر لم يسكت، وببساطة شديدة ذهب إلى ساحة القرية والتقى ببعض الأشخاص الذين تصادف ظهورهم في الفيديو ومنهم الشاب البسيط "أحمد بياسه" والذي كان يرتدي أفرولاً خاكي اللون أثناء تلقيه الركلات والعصي والإهانات (مما دفع أساطين الإعلام السوري على الاعتقاد بأنه عسكري لأن لون ملابسه قريب من لون الملابس العسكرية)، وقد تم تصوير ساحة الجريمة والضحايا ومقارنة الصورتين ومن ثم رفع الفيديو إلى حيث يجب أن يرفع، الأمر الذي شكل دليلاً لا يمكن دحضه على أن ما حدث حدث في البيضاء، وهو ما أدى حسب اعتقادي إلى إقالة مدير الأمن السياسي في بانياس، ليس لأن عناصره أساءت التصرف بفعلها الشائن، بل لأنه أساء التقدير وسمح بتسريب الصورة مما سبب إحراجاً لنظامه الممانع، وطبعاً لم ينبس أحد من جهابذة الإعلام السوري ببنت شفة تعليقاً على الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، فقد كانوا جميعاً مشغولين بالدفاع عن نظامهم الممانع بتفنيد ما تلاه من صور وتوثيق لاعترافات جديدة لموقوفين جدد بحوزتهم نفس الأسلحة التي ضبطت مع من سبقهم من معترفين، ظهر أحدهم على الفضائية السورية (أصبح يعرف بأبي نظير سلواية) وكأنه تعاطى ربع كيلو جرام من الأفيون دفعة واحدة ليقر بملءِ إرادته بأنه عضو خلية تكفيرية قامت بتخريب وحرق المنشآت والباصات في اللاذقية، وقد فات على من قام بإخراج هذا الاعتراف بأن التيار التكفيري هو التيار الأكثر تطرفاً بين تيارات السلفية الجهادية، وأعضاؤه بالتالي الأكثر تطرفاً عقدياً فهم في الغالب لا يتحدثون بالعامية ناهيك عن الصورة التي ظهر بها هذا الرجل والتي لا تمت إلى التدين بصلة.


ويأبى القدر أن يسدل الستار عن فيديو البيضاء، ليعود بطله "أحمد بياسه" إلى الواجهة بعد أكثر من شهر، حين سرب مصدر مجهول خبر مصرعه على أيدي السلطات السورية التي قامت باعتقاله وتغييبه حيث انقطعت أخباره، بعدها عرض الخبر على شاشة الجزيرة لينبري الإعلام السوري مرةً أخرى مدافعاً ومكذباً هذا الادعاء المغرض الذي يتجنى على النظام المقاوم، مصيباً نفسه مرتين بنفس الحجر، حيث قام بعرض تسجيل للشاب "الأيقونة" ينفي من خلاله خبر مصرعه، ولكنه يؤكد وجوده الذي أنكره نفس الإعلام من خلال فيديو البيضاء.


أختتم هذه التدوينة بالمقطع المصور أعلاه والمنقول من الأخبارية السورية حيث تظهر فيه المذيعة الحسناء بتسريحة شعرها المبلل بأمطار الخير (وأنا هنا أستظرف حتى لا تخسر هذه الحسناء ظرافتي) لتنتقد فيها مهنية الجزيرة، وتتحفنا بأن مبررات تفرق مظاهرة الميدان هي نفس أسباب خروجها، وأن العشرات خرجوا مطالبين بالحرية حسب ما أوردته القناة قبل يومين ثم تشير في هذا التقرير الهام الذي وردها قبل قليل إلى أنهم خرجوا ليشكروا الله على أمطار الخير كعادة أهل الشام ثم تفرقوا بفعل هذه الأمطار الأمر الذي جعلني أفوت بالحيط (أستظرف للمرة الثانية كرمال هالعيون الحلوة)، والعجيب أنها وقعت لشدة مهنيتها على الأقل في ثلاثة أخطاء لغوية من خلال قراءة خبر لا يتجاوز الخمسة أسطر رغم حرصها الشديد على اتباع القاعدة التي تقول (سكّن تسلم).

بقي أن أقول (بعد أن فتت بالحيط) أن اللي استحوا ما ماتوا، قولوا "يا لطيف" و "ربي يسر".

الخميس، 19 مايو 2011

من مواطن سوري إلى رئيس الجمهورية


من : مواطن سوري
إلى : السيد / بشار الأسد
رئيس الجمهورية العربية السورية

سيادة الرئيس ...
 
أود أن أتوجه إليك بخطابي هذا بصفتي مواطناً عادياً، شاء له القدر أن يولد ويترعرع في أحضان وطن جميل رائع اسمه سوريا، يتنفس هواءه، ويشرب ماءه، ويأكل من طيبات نبته.
 
أكتب إليك بصفتي سوريّاً تفتحت عيونه على هذه الدنيا في عهد والدك الراحل ، وهو الآن يعيش في عهدك، ولم يكن له في اختياركما يد، ولا من الحياة في ظلكما بد.
 
أكتب إليك بصفتنا بشراً نولد دون إرادتنا ونموت رغم أنوفنا، أولنا نطفة مذرة، وآخرنا جيفة قذرة، حياتنا قصيرة محدودة مهما طالت، وما بين مولدنا ومماتنا تُسجل أعمالنا علينا ثم تسطر في كتب التاريخ بعد رحيلنا، فإما المجد والخلود وإما الخزي والبوار.
 
أكتب إليك لأخاطب فيك الإنسان الذي وُهب العقل أداة التفكير والتفكر ومخزن العلوم والتذكر، و القلب أداة الإحساس ومكمن الروح والوجدان.
 
أكتب إليك بغض النظر عن شعوري تجاهك، فلن تمنعني محبتي لك من صدقك القول إن أحببتك، ولا بغضي لك من إنصافك الحق إن أبغضتك، إنما مبتغاي مصلحة الوطن الذي نستظل بظله جميعاً ويرتفع فوقنا سقفه.
 
أكتب إليك لأن من واجبي عليك أن أنصحك أياً كان موقعي بين أفراد شعبك، ولأن من واجبك علي أن تسمعني وإن كنت رئيساً للجمهورية، فأرجو أن يتسع حلمك لسؤالي، وأن تقرأ ببصيرتك مقالي.
 
أكتب إليك متأخراً بعض الشيء، ولكن ربما لم يفت الأوان بعد، ولئِن نأتِ متأخرين خير من ألا نأتي أبداً ....
 
لا يخفى عليك سيدي أنها أيام عصيبة تمر على وطننا، ثلاثة وستون يوماً منذ أن بدأت جماهير واسعة من أبناء شعبنا بالاحتجاجات المطالبة بالحرية والإصلاح، فكان رد أجهزتكم  عليها عنيفاً، فأوصدت الآذان وفتحت النيران، وسقط من الشهداء ما يقرب من ألف شهيد، جلهم قتل، لا لجرم اقترفه بل لحق طلبه، كل واحد من هؤلاء له أم وأب، وأخ أوأخت، وربما بنات وأبناء. كل واحد منهم له أقرباء وأصدقاء وأحباء، ضحى بحياته من أجلهم وأجل وطنه، هم اليوم يبكونه وهم غداً سيذكرونه، ناهيك عن الجرحى الذين فقدوا بعض أعضائهم أو أصيبوا بعاهات وجروح ستظل ترافقهم طيلة حياتهم، وألاف المعتقلين الذي غصت بهم السجون وما لاقوه فيها من ضرب وإهانة وأذىً نفسي لا يقل ضرراً ومضاضة عن الأذى الجسدي.
 
نعم، إنها إلى الآن تسعة أسابيع بالتمام والكمال، اجتيحت فيها المدن بالدبابات، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، تسعة أسابيع رأينا فيها من الهول ما تشيب له الولدان، وكأنها كوابيس يراها النائم في منام، وليست مشاهد تجري في شوارع المدن والقرى والضواحي، مشاهد تدمع لها العيون وتدمى لها القلوب، يقتل السوريون فيها السوريين، ويضيع فيها صوت العقل في ضوضاء أزيز الرصاص وصرير جنازير المدرعات، يرفع فيها السلاح في وجه المحب القريب ويدار أخمصه جهة العدو الغريب، وتوجه فيها التهم جزافاً دون دليل لشباب الوطن الذين هم عماد مستقبله، فهم تارةً إرهابيون تدفعهم نزعةُ راديكالية، وتارةً خونةً باعوا أنفسهم للأعداء، وتارةً مخربون هدفهم زعزعة الأمن وإسقاط النظام.
 
أسألك يا سيدي ومثلك يعرف الكثير، بالله عليك، ما الذي يدفع شباباً ينتمون إلى شعبٍ من أعرق شعوب الأرض، معظمهم في مقتبل العمر للخروج في مظاهرة احتجاجية وهم يعلمون أنه قد يكون خروجهم الأخير من بيوتهم؟ وهم يرون رفاقهم بين قتيل وجريح و معتقل، أيعقل أن يغرر بكل تلك الآلاف من العقول؟ أليس في هذا استخفاف لعقل الشعب الذي تحكمه؟. ألم يخرجوا لطلب محق رفعتموه كشعار فوق مقرّات حزبكم ولم يتحقق منه شيء؟. أليس التعامل معهم بمثل هذا الأسلوب سيدفعهم ويدفع ذويهم للثأر والتخريب؟. أليس الخاسر في النهاية هو الوطن الذي نحن فيه شركاء؟، أسألك ولا أعلم إن كانت الحقائق تصلك كما تجري على الأرض، أم أن عنقها يلوى كما يشاء من قرر استخدام العنف ابتداءً وأطلق النار، بدلاً من أن يجلس إلى طاولة الحوار.
 
إن مسؤوليتك يا سيدي تحتم عليك الإصغاء إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى، فإن كنت ممسكاً بزمام الأمور وأمرك مطاع فيمن هم حولك، فإن أولى الخطوات وقف القتل والتنكيل فوراً، فكل دقيقة تمر وفيها دم يسفك وكرامةُ تنتهك تبعدك عن شعبك وتقربك من حتفك، فما هو ممكن اليوم سيستحيل غداً أو بعد غد، ولا يخدعنك من يزين لك القمع وإهراق الدماء، ويبسط لك الأمر ويهون عليك العواقب، فهو عدو لك مبين وإن ظن أو ظننت أنه يريد صالحك، ولو كان أخوك الذي ولدته لك أم أو قريب جمعك به رحم، فإذا صمت صوت البنادق و خلت الشوارع ممن يطلقون النار، واطمأن الناس إلى انتهاء العنف، فعليك باعتذار صادق عما حدث ووعد جادٍ بإجراء تحقيق صارم لمن أخطأ، و بعدها تدعو الناس إلى اختيار من يثقون به ويرضونه لحوار باسمهم على ألا يكون له سابق خدمة في حكومتك أو انتساب إلى حزبك، بعدها يجري حوار شفاف تعد الناس أن تلتزم بنتائجه ولو كانت مغادرة موقعك أو التنازل لغيرك، وهو موقف لا يعيبك ولا يقلل من قدرك بل لعمري هو موقف شجاع يحقن دماء أمتك وبني جلدتك ويوقف الخراب والدمار، لا يستطيع وقوفه إلا من كان عنده عزيمة صلبة وإرادة لا تلين.
 
أما إذا لم تكن مسيطراً على زمام الأمور، وما حدث ويحدث لم يكن من تدبيرك وليس لك فيه رضاً، فإن المسؤولية لا تسقط عنك، لأنك عندها تحمل وزر غيرك بإرادتك، و حينها ليس لديك إلا أن تخرج على شعبك بخطاب تبرأ فيه مما حدث، وتنحاز إلى الجماهير، ففيها من أحبك ووثق بك، وسنكون حينها مكبرين شجاعتك وإخلاصك وسندعمك ونقف في صفك وتكون محمياً بشعبك، أما من يصر على القتل والعنف فسيصبح بلا شرعية تحميه ويضطر إلى التسليم بالأمر الواقع، ووقتها لديك الوقت لكي تستطيع إجراء إصلاح حقيقي يناسب عراقة شعبك، ويضمن حريته ويصون كرامته.
 
لقد قدر لك سيدي أن تكون مسؤولاً عن هذا الوطن في هذه المرحلة الحرجة وحسن تصرفك سيجنب هذا الوطن مصائب وويلات كثيرة، أما سوءُه فسيدفع بالجميع وبالوطن إلى ما لا تحمد عقباه. لقد قدر لك أن تكون صمام أمان لهذا البلد، فاستمع لصوت العقل والحكمة واربأ بنفسك أن تكون فتيل اشتعال، و أن تنظر إلى أبناء شعبك الذين هم أهلك أياً كانت انتماءاتهم الإثنية أو السياسية أو العقائدية نظرة قائدٍ محب، يغلب مصلحة الوطن عندما يدلهم الخطب ويدهم الخطر، ويقدمها على المصالح الضيقة شخصيةً كانت أو عائلية، ولك عبرةُ فيمن سبق من رؤساء دول مجاورة كانوا قبل أشهر قليلة لا ترد لهم كلمة، ولا يعصى لهم أمر، ثم ثارت شعوبهم واتبعوا خطوات شبيهة بالخطوات التي قمت باتباعها منذ بداية الأزمة، لظنهم أنها ناجحة ولكنهم اليوم يعضون أصابع الندم.
 
أخيراً تذكر يا سيادة الرئيس بأن الإنسان لا يخلد في هذه الحياة، إن آمن بوجود حياةٍ أُخرى أم لم يؤمن، وفي كلتا الحالتين وجوده في الدنيا مؤقت ولا يمكن أن يخلد فيها إلا على صفحات الكتب.
 
هذا خطابي إليك سيدي الرئيس، وهو ما جادت به قريحتي وأملاه عليَّ واجبي وضميري، حاولت جَهدي أن أكون فيه مخلصاً لوطني ومعتقدي، وصادقاً معك ومع نفسي، وقد تعمدت فيه عدم مجاملتك، مبتعداً عن لغة النفاق والمداهنة، وهي اللغة التي يجب لعمري أن تخرج من العقل لتصل إلى العقل، وينبغي أن يتخاطب بها المواطنون مع رؤسائهم في دول العالم الحر، الذي نتطلع جميعاً للانتماء إليه.



مواطن سوري