الأربعاء، 29 يونيو 2011

قل لي بربك !



قل لي بربك ؟!


أبَعدَ كل ما اقترفت يداك ...
وبعد كل من قتلت ...

وبعد كل من شردّت ...
وبعد كل من يتّمت ومن رمّلت.
أبعد كل من فجعت!



أوَ نهيم بحبك؟!
أم لا نرتضي أحداً سواك؟!


قل لي بربك!


أبعد كل ما اجترعنا من أذاك ...
وبعد كل من سجنت ...
وبعد كل من عذّبت ....
وبعد كل من غيّبت ومن روعّت.
أَبَعدَ كل ما صنعت !



أوَ نبقى بقربك؟
أم لا نرتضي أحداً سواك؟

قل لي بربك ؟!


أبعد أن أوردتنا سُبُل الهلاك ... 
وبعد كل ما سلبت ...
وبعد كل ما نهبت   ...
وبعد كل ما  حرّقت وما  دمّرت.
أبعد كل ما أفسدت!!


أوً نرضى بحزبك؟
أم لا نرتضي أحداً سواك.


قل لي بربك !!

الأحد، 26 يونيو 2011

المعارضة السورية بين سندان الواقع ومطرقة المسؤولية

اعتمد حزب البعث العربي الاشتركي على سياسة الإقصاء كاستراتيجية سعى لتطبيقها منذ يومه الأول في السلطة، فبدأ بإقصاء القوى والأحزاب التقليدية التي كانت تنافسه آنذاك، ثم تدرج هذا الإقصاء ليشمل النخب داخل أجنحته ثم تطور داخل النخبة الواحدة، وبعد صراع مرير بين حافظ الأسد وصلاح جديد استتب الأمر في النهاية بإقصاء الثاني وانفراد الأول بالسلطة فيما سُمّي بالحركة التصحيحية.

استمر حافظ الأسد في حكم سوريا على مدى تسعة وعشرين عاماً بنفس نهجه الأول وهو إقصاء الآخر، كل الآخر، معتمداً على تفصيل الدستور على مقاسه ومقاس حزبه عبر جبهة تقدمية كرتونية يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي كواجهة كرتونية أخرى لحكم فرد واحد استطاع أن يجمع كل خيوط اللعبة السياسية بيده بمباركة أو بصمت من معظم القوى الإقليمية والدولية التي كان همها الأول استقرار الجار الأقرب والأخطر على أمن إسرائيل، ولم ينته حكم الأسد بوفاته بل استمر بنقل سلطته إلى وريثه الذي ورث عنه نفس السلطة و ذات الأدوات والتي كان أهمها الإقصاء باستثناء تغييرات شكلية وطفيفة لبعض التكتيكات التي استوجبتها المستجدات المتلاحقة.

ونتيجةً لهذه السياسة التي اعتمدت إسكات كل صوت معارض مهما كان ضعيفاً، بالعنف والإرهاب تارة والتخوين واستخدام المتنافسين داخل قوى المعارضة لشق صفها من الداخل تارةً أخرى، مما أدى في نهاية المطاف إلى اختفاء قوى المعارضة المتمثلة بالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني من الداخل السوري تدريجياً، حتى الغي دورها جميعاً من الحياة السياسية ولم يتبق إلا الأحزاب الكرتونية آنفة الذكر والتي تدور في فلك الحزب الأوحد وتصفق للزعيم الأوحد، أما المعارضة الحقيقية ومن يمثلها فقد كان مصيره التصفية الجسدية أو السجن أو المنفى قسراً كان أم اختياراً.

 
ثم كان انتقال الثورة إلى سوريا بعد اندلاعها مطلع العام الحالي في تونس ومن بعدها مصر وليبيا واليمن أمراً بديهياً، فسورياً وطن تحكمه سلطة مستبدة انتجت مجتمعاً ضعيفاً ومفككاً لم يجد من يمثله إلا السلطة ذاتها التي أفسدته واستبدت به، الأمر الذي أدى إلى ميلاد ثورة شعبية بامتياز، فكانت ثورة دون أب يفرض وصايته عليها، وهو أمر جيد من ناحية ولكنه من الناحية الأخرى يعني أنها ثورة بدون رأس يوجهها إلى تحقيق أهدافها ويصحح مسارها إذا حادت عنه ويعيد النار إلى جذوتها كلما خبا وهج تلك الجذوة.

ومع مرور الأيام وارتفاع وتيرة الاحتجاجات التي صب النار على زيتها عشوائية وتخبط الحل الأمني الذي انتهجه النظام السوري في البداية كحل مبدئي ووحيد للأزمة، بدأت بعض الشخصيات المعارضة المتواجدة بالخارج من مثقفين وأدباء ومفكرين ومعارضين سياسيين ونشطاء حقوق إنسان بالظهور لافتين أنظار العالم لما يقوم به النظام السوري من أعمال وحشية لقمع المظاهرات التي تندلع في شتى أنحاء الوطن السوري ومفندين لمقولات وادعاءات من يصدرهم النظام السوري للدفاع عنه.

ومع انقضاء ما يربو على مئة يوم من الاحتجاجات بدا واضحاً بأن الثورة قد اجتازت مرحلتها الأولى وتحولت من احتجاجات متفرقة لمجاميع مختلفة الأحجام في مناطق تتبع لمحافظات ريفية الطابع، إلى تجمعات كبيرة تحتشد في عمق المدن كحماة وحمص واللاذقية ودير الزور وغيرها، وواكب تصاعد الاحتجاجات الشعبية تشكل نواة حقيقية لمعارضة شعبية في الداخل السوري تبلورت عبر ما تم تسميته بالتنسيقيات الخاصة بكل مدينة ومحافظة على حدة ومن ثم اتحاد هذه التنسيقيات، لتقوم بتنظيم المظاهرات والإشراف عليها.

في حين أدرك النظام السوري مبكراً بأن الأفواه التي كممها، ولم يتح لها المجال بالمعارضة داخل سوريا واضطرارها إلى مغادرة القطر خوفاً من الاعتقال والتنكيل إن هي ارتفعت وهروباً من الكبت والشعور بالعجز إن هي ظلت صامتة، أدرك أن هذه الأصوات بدأت تشكل خطراً عليه، لأنها باتت تجد آذاناً صاغية لدى الرأي العام الإقليمي والعالمي لما تمتلكه من إمكانيات علمية وثقافية ومعلومات موثقة وحجة قوية، ولكنه لم يعترف بها كمعارضة وإنما كال لها الاتهامات بالعمالة والخيانة والتحريض على مشروعه المقاوم والممانع والرافض للسياسات الامبريالية وما إلى هنالك من اتهامات أصابت السوريين بالصداع والغثيان من كثرة تكراره الممجوج لها.

بعد كل هذا الوقت من عمر الثورة أصبح لزاماً على جميع أطياف المعارضة السورية المتواجدة داخل الوطن السوري (الصامتة منها سابقاً والوليدة بفعل الثورة نفسها) وخارجه (المنفية قسراً أو اختياراً) أن تدرك بأن مصير هذه الثورة التي صنعها أبناء الشعب السوري وشكلوا بدمائهم و أرواحهم وقودها رهن بجدية وقدرة هذه الأطياف وحسن تصرفها، ولكي تنجح هذه المعارضة في إسقاط النظام السوري (المتماسك حتى الآن بفعل قدرته القمعية وتوحد مصالح مكوناته مرحلياً) لا بد لها من تحقيق كثير من النقاط التي سأحاول إيجازها فيما يلي:

أولاً: المرحلة الحالية مرحلة نضال وكفاح ضد أعنف وأقسى نظام استبدادي عرفه تاريخ سوريا القديم والحديث، لذا وجب على كل معارض وطني شريف أياً كان انتماءه الديني أو السياسي أو الإثني التعالي على المصلحة الذاتية والفئوية الضيقة، وعدم التفكير في المكاسب والمغانم المستقبلية التي لن تأتي أصلاً دون إسقاط هذا النظام الغاشم، فالهدف الأول والأخير هو التحرر من هذا النظام بطريقة سلمية مشروعة، وعلى جميع الطامحين بالسلطة من معارضين أن يتذكروا بأن هناك من يضحي بدمه وروحه و ربما أمن عائلته وذويه من أجل نيل الحرية التي سيقرر بموجبها من يحكمه.

ثانياً: تجاهل جميع الخلافات الناتجة عن اختلاف الأيدلوجيات ولو بشكل مؤقت، وتأجيلها إلى ما بعد إسقاط نظام الحزب الواحد وبناء الدولة الديمقراطية التي تضمن حرية تشكيل الأحزاب وتضمن انتخابات نزيهة يختار كل سوري فيها من يمثله، وإن لم تكن تلك المرحلة بتلك الطوباوية فعلى الأقل لن يكون أي طرف في حال حصوله على أكثر من النصيب الذي يستحقه في السلطة بنفس السطوة التي يمتلكها النظام الحالي وبالتالي لن يستطيع طرف إقصاء الآخر طويلاً كما هو حاصل حالياً.

ثالثاً: العمل على توحيد الصفوف (والحديث هنا موجه للمعارضة المتواجدة في الخارج) وتناسي الخلافات الشخصية القديمة التي كانت سبباً في شرذمتها في الماضي، واعتبار جميع أطياف المعارضة وطنياً فيما عدا بعض المعارضين الذين كانوا جزءاً من النظام وتلطخت أيديهم بدماء شعبهم أو ذممهم بنهب أمواله، أو الذين تربطهم بالقوى الخارجية روابط وثيقة تتعدى التقاء المصالح إلى تنفيذ الأجندات وهم معروفون تماماً لجميع أطياف المعارضة.

رابعاً: العمل على ربط معارضة الداخل بمعارضة الخارج وصهرهما في بوتقة واحدة، وذلك بتشكيل جبهةٍ واحدة يمكن إطلاق صفة المعارضة الموحدة عليها، فهذه الثورة لم تكن لتستمر كل هذا الوقت لولا ما قدمه كلا الطرفين لها من تضحيات ودعم، وقد سمعنا من بعض المعارضين في الداخل تهماً لبعض من هم بالخارج بأنهم يقفزون إلى قطار الثورة ليحصلوا على نصيب لا يستحقونه ولا يوازي تضحية من هم في داخل سوريا، وأظن بأن أصحاب هذا الرأي مخطئون لأن معظم من خرج من سوريا معارضاً، إنما خرج مكرهاً أو فارّاً من التنكيل، في حين كان من يناضل اليوم في الداخل صامتاً حينها، علاوةً على أن كثير من الطاقات التي تعمل اليوم على إمداد الثورة إعلامياً إنما هي موجودة في الخارج ولو لم تكن كذلك لما انكشف الكثير مما يقترفه النظام من فظائع ومجازر.

خامساً: العمل على إنشاء قناة إعلامية جديدة أو اختيار أحد القنوات السورية المعارضة لتكون الناطق الرسمي باسم جبهة المعارضة الموحدة، ليتم من خلالها توجيه رسائل للداعمين للثورة السورية إقليمياً ودولياً تحضهم على نصرة هذه الثورة وتوضح لهم أهدافها ومطالبها، وتطلب منهم توجيه دعمهم المادي والمعنوي بالشكل الذي يحقق هذه الأهداف بعيداً عن الطائفية و المذهبية، وفي حال عدم توفر الامكانات يمكن تشكيل مجلس إعلامي أو تنسيقية مشتركة تعمل كناطق موحدٍ بإسم الثورة يندب أعضاؤه الذين يتم اختيارهم بالتوافق للظهور في وسائل الإعلام للحديث باسم الجميع في الداخل والخارج وليس باسم كل طرف على حدة، مما يضفي شرعية ويعطي قوة إضافية لجبهة المعارضة الموحدة وإن كان بعض هذا قد تحقق حتى الآن بصورة أقل.

سادساً: العمل على إنشاء صندوق مالي لاستقطاب الدعم لأهالي الشهداء والمصابين والمعتقلين وعوائلهم التي أصبحت بلا معيل، و كذلك الكثير من السوريين الذين تقطعت بهم الأسباب فلم يعودوا قادرين على إيجاد ما يسد رمقهم نتيجة للعنف والقمع والتجويع الذي انتهجه النظام وسينتهجه في المراحل المقبلة.

سابعاً: توجيه الرسائل إلى الداخل والخارج بأن موقف المعارضة من النظام لا يمس بممانعة الشعب السوري ضد السياسات الإسرائيلية وما يدعمها من سياسات إمبريالية تنتهجها الدول الكبرى، وأن استعادة الجولان سلماً أو حرباً ومؤازرة الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، هي من صميم الأولويات فعلاً لا قولاً كما يفعل النظام السوري.

أخيراً وليس آخراً، يجب علينا كسوريين ندعم هذه الثورة المباركة ونؤمن بمشروعيتها ونبل مقصدها أن ندرك بأن الفرصة التي أتاحها لنا أبناء هذا الشعب العظيم يصعب تكرارها مرتين، وأن أسلم الطرق وأقصرها وأقلها تكلفة (على  مستوى الدماء والحفاظ على وحدة التراب السوري) يمر عبر وحدة النخب المعارضة وتماسكها، ومن ثم حسن تصرف هذه النخب التي من المفترض أن تمثل كتلة الشعب الرافض للخنوع لهذا النظام الظالم، وأن أي تشرذم وتخاذل وأنانية لن يؤدي في النهاية إلاّ إلى خذلان هذا الشعب أو تكبيده المزيد من الدماء والمقدرات.

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

هل يدخل السوريون في النفق المظلم

أعترف كمواطن سوري أصنف نفسي معارضاً ورافضاً للعنف بكل أشكاله بأنه لم يتملكني هذا الكم من الحيرة طيلة حياتي كما تملكني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيرة ممزوجة بالترقب والخوف من المستقبل، وأعتقد بأن معظم السوريين شاطروني هذا الشعور بغض النظر عن موقفهم من الأحداث الجارية في سوريا وموقفهم من نظام بلادهم أو معارضيه.

لم يكن مصدر الحيرة والقلق حجم العنف الذي استخدمه النظام السوري لقمع الاحتجاجات التي اندلعت والتي عبر عنها المحتجون في مختلف أرجاء القطر بالتظاهر، لأن هذا الأسلوب في القمع بل وربما ما هو أكثر منه كان متوقعاً ومفهوماً، كما كانت هذه التغطية ذات الطابع المافيوزي التي اعتمدتها أجهزة إعلامه الرسمية والموالية، ولم يكن التوقع هنا يحتاج إلى رجم بالغيب أو عبقرية في التحليل، وإنما استوجب معرفة بسيطة بطبيعة هذا النظام واستقراءً عاماً لممارساته الأمنية طيلة العقود الماضية وخصوصاً عقد الثمانينيات وما رافق ذلك من تبريرات وروايات إعلامية لما حدث حينها، فالنظام قمعي وكاذب بامتياز منذ نعومة أظفاره، و قد أسس لوجوده منذ البداية على قمع مناوئيه بأبشع وسائل القمع وأكثرها شراسة، ثم استخدم نفس الوسائل مع تطويرها لتلائم مراحل استمراره، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة للقاصي والداني مما يجعلنا في غنى عن ذكرها هنا، كما أعتقد أن جميع الأفراد الذين قاموا بالتظاهر كتعبير عن احتجاجهم على ممارسات نظامهم كانوا يعلمون مسبقاً رد فعل النظام قبل إقدامهم على ما أقدموا عليه وربما كان شعورهم هذا أكبر دافع على استمرارهم بالاحتجاج رغم كل هذا العنف، فلا يوجد سبيل آخر للخلاص إلا دفع الفاتورة من الدماء، والتأجيل لن يزيد هذه الفاتورة إلا تضخماً.

كما أن مصدر الحيرة والقلق لم يأت من ضعف المواقف الخارجية بشكل عام في إدانة عنف النظام، وإن تفاوتت هذه المواقف حدةً لكنها بلا شك لم تكن كافية أو حتى مساويةً أو مقاربة لمواقف جميع الأطراف الخارجية لما حدث في تونس ومصر وليبيا بل وحتى اليمن، فالجميع يعلم بأن الوضع السوري بالنسبة للأطراف الخارجية أكثر حساسية وتعقيداً استوجبه موقع سوريا الجيوسياسي، رغم معرفة جميع الأطراف أن موجبات الثورة فيها داخلياً أكثر وضوحاً، واستبدادية نظامها وشموليته أكبر من بقية الأنظمة آنفة الذكر، لذلك تراوحت المواقف بين الإدانة الخجولة والتريث وانتظار ما ربما يسفر عنه قمع النظام للثورة من نجاح أو فشل.

فماذا إذن يستوجب الخوف علاوة على الحيرة والقلق أكثر مما حدث؟.

جواباً على هذا السؤال أقول وبشكل مباشر إنه الانقسام والتباين في المواقف ووجهات نظر السوريين أنفسهم مما حدث ويحدث (وأنا أعني الذين عبروا عن مواقفهم وأبدوا وجهات نظرهم من مختلف مكونات الشعب السوري ولا أعني الصامتين خوفاً وإيثاراً للسلامة)، نعم هذا التباين والانقسام الذي أصبح واضحاً جداً وبات مدعاةً حقيقية للقلق، مع أنه كان متوقعاً نسبياً، لكن ليس إلى هذا الحد، وطيلة هذه المدة، فعلى المستوى الشخصي لم أكن أتوقع أن ينجح النظام في خلط الأوراق وجعل الأمور ضبابية إلى هذه الدرجة، ولم أكن أتوقع أن أجد من بعض السوريين (وبنسبة أقل بعض العرب بمن فيهم بعض المثقفين) من يدافع عن هذا النظام ويصدق روايته المليئة بالثقوب رغم مرور أشهر ثلاثة كاملة.

طبعاً هم يطرحون أسئلة معهودة هي في الغالب:
لماذا لم يعط النظام فرصة لتطبيق الإصلاحات التي وعد بها؟
وما هي شرعية موقف المحتجين والغالبية لم تشارك في الاحتجاج؟
ومن قال أن ما حدث لم يكن مؤامرة تستهدف سوريا ومواقفها؟
وأين البديل عن هذا النظام في غياب وجود نواة للمعارضة ؟.
وما إلى هناك من أسئلة تبدو مشروعة ومنطقية.

الإجابة على تلك التساؤلات لا تحتاج إلى كثير من الجهد:
- النظام أخذ من الوقت الكثير ولم يأت بأية إصلاحات بل على العكس تغلغل الفساد في كل ركن ومفصل في هذه الدولة، فلماذا يعد بالإصلاحات الآن، ولماذا نصدقه؟
- وإذا كانت شرعية التسعات الثلاث التي يستند عليها صحيحة فمن أين خرج كل هؤلاء الشباب الذين بصم كثير منهم بالدم على كلمة نعم في استفتاء الموافقة على رأس النظام، في حين أن نسبة النصف في تركيا العلمانية التي يحكمها حزب يصنف بأنه إسلامي النزعة تعد شرعية استثنائية؟
- أما عن عدم مشاركة قطاعات واسعة بالاحتجاجات فقد أجاب النظام عن ذلك بالبنادق والدبابات، ومن وقف في وجهه حتى الآن لا يعتبر محتجاً بل هو بطل ومشروع شهيد يدفع حياته ثمناً للتغيير.
- أما فيما يخص المؤامرة التي تقودها القوى الإمبريالية فلا أظن أن موقف هذه القوى  حتى الآن يدعم هذه الحجة، فقد واتتها الفرصة للتدخل وتصعيد اللهجة أكثر من مرة ولكنها ترددت فلماذا تعطي النظام كل هذا الوقت مع احتمال أن ينجح في وأد الثورة وهي لم تعط نفس الفرص لأكبر حلفائها في مصر وتونس، و حين أرادت التدخل في ليبيا لم تعدم الوسيلة ولم تمهل القذافي بل تدخلت عند أول سانحة، وعليه يجب عكس السؤال أليس بقاء النظام يعزز نظرية المؤامرة أكثر من الخلاص منه؟
- أما السؤال عن البديل فهو سؤال برسم موقف من يصر على الاقتناع بهذا النظام والدفاع عنه رغم كل ما سبق فلو انضم لأغلبية الشعب الصامتة أوالتي ثارت، فلن يكون من الصعب إيجاد بديل فعندما تتقارب المواقف وتتعاضد، يصبح التوافق على من يحكم أسهل بكثير من إسقاط النظام، ومن المعيب القول بأن سوريا بكل شعبها وتاريخها لا تستطيع إنجاب نخبة تستطيع إدارة شؤونها إلا هذه النخبة التي شهدنا حكمها لأربعة عقود عجاف.

وفي حال استمر هذا الانقسام والتباين في المواقف بهذه الكيفية فإن فقدان سيطرة النظام على الأرض لن تعني سقوطه وبالتالي لن تحقق هذه الثورة أهدافها ولن تكون هناك نهاية للمطاف، بل سيترتب على ذلك مرحلة تالية أخطر هي مرحلة الدخول في نفق مظلم، تزداد فيه الانقسامات وتتشعب، فالنظام في حالة فقدان السيطرة سيلجأ إلى تأجيل سقوطه ومحاولة النجاة بافتعال حرب أهلية تمهد لتدخل أجنبي ربما يستتبعه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ أو دول تقوم على أسس عرقية أو طائفية مما يعني خسارة الوطن بأكمله وفرار الجاني بفعلته دون عقاب.


إن المشكلة الحقيقية التي يجب على جميع أطياف المثقفين الذين ينتمون إلى المعارضة التغلب عليها وإيجاد حلٍ لها تكمن في هذه الجزئية لأنها تعبر للأسف عن حجم التشويه الذي طال تفكير ووجدان الشخصية السورية التي تنتمي إلى هذا القطاع ومدى التشويش الذي تعرضت له على مدى أربعين عاماً، ولأن النظام حتم على نفسه السقوط عند إطلاق أول رصاصه، فإن المدة التي يجب انتظارها و التكلفة التي يجب دفعها تبعاً لهذه المدة ستتفاوت تبعاً لمعالجة هذه الأزمة.

الأربعاء، 1 يونيو 2011

متلازمة الاستبداد والغباء

خمس ثورات في خمس دول في خمسة أشهر، شهد العالم العربي اندلاعها ضد أنظمة حكم جمهورية، أفضت اثنتان منها إلى إسقاط النظام في بلديهما وما زالت الثورات الثلاث الأخرى في ليبيا وسوريا واليمن تمضي في نفس الاتجاه وإن بطرق مغايرة نسبياً.

ففي حين دلل انتقال الثورة من بلد إلى آخر كانتقال النار في الهشيم على إدراك الشعوب لوجه الشبه الكبير فيما بينها كشعوب، ووجه الشبه بين الأنظمة التي تحكمها، غاب هذا الإدراك عن تلك الأنظمة، فلم يكد الرئيس التونسي المخلوع يعلن عن استيعابه لمطالب شعبه والذي قرر على إثره تشميع الخيط وإيثار السلامة، حتى انتقلت العدوى إلى مصر وجاء الدور على نظامها الذي صرح قبلها بأسابيع بأن مصر ليست كتونس إلا أن مصر لم تختلف عن تونس، ولم يستطع نظامها الصمود أكثر من ثمانية عشريوماً ليعلن الرئيس المصري على لسان نائبه تنحيه عن السلطة، ثم جاء الدور على نظامين آخرين لم يشذا عن نظامي مبارك وبن علي، وإن نحيا بالثورة في بلديهما منحىً آخر لكنهما قررا اتباع نفس الخطوات الأولى بحذافيرها وقررا المغامرة بمصيريهما ومصير شعبيهما بشكل دلل على ارتفاع الأنا لكل منهما فوق كل ثابت وطني أو قومي أو إنساني، ثم ما لبث السوريون أن أعلنوا عن بدء ثورتهم في الخامس عشر من آذار مارس وجاء دور النظام السوري ليعيد السيناريو في مراحله الأولى للمرة الخامسة وفي مراحله التالية للمرة الثالثة دون استفادة تذكر من التجارب السابقة .

لعل ما حدث يثير الاستغراب بحق، ولكن ما يدعو للدهشة و العجب ناهيك عن السخرية هو أن هذه الأنظمة كان ردها على أفعال الشعوب التي جثمت على صدورها لمدة تجاوزت الأربعين عاماً ينم عن غباءٍ وقلة حيلة شديدين، مع أن هذه الأنظمة سخرت كل إمكانيات الوطن لصالحها، وكان لديها الوقت الكافي لتتعلم كيف تطور فنون الحكم والسياسة وتنهض بشعوبها إلى مراتب أعلى من التقدم والرقي وتبقى في السلطة بإرادة شعوبها، لكنها ونظراً لطبيعتها الاستبداية وعدم وجود أية استراتيجية أو مشروع وطني حقيقي تستند عليه، علاوة على الفساد الذي نخر مفاصلها كنتيجة حتمية، لم تعد ترى مواطنيها شعوباً بل رعايا من طينة أقل شأناً من طينة الحاكم، فجاء رد فعل كل رئيس مطابق لمن سبقه ولا يكاد يشذ عنه أبداً، فالكل بدأ بالتجاهل والإنكار ثم بالقمع، ثم بتقديم تنازلات متأخرة، ثم باستعداد لفتح حوار، ثم استخدام مفرط للقوة (كما في ليبيا واليمن وسوريا)، ثم كان السقوط القسري تلقائياً أو بتدخل أجنبي (أو سيكون) ، وإذا استثنينا النظام التونسي الذي لم يتسنَ له الاستفادة من تجربة الآخرين كونه الثور الأبيض، فلا بد أن نقر بغباء ما تلاه من أنظمة.

المعطيات:

بإمكاننا أن نستنتج بوضوح مما جرى في الأقطار الخمسة أن بواعث الثورة نبعت مما يلي:

أولاً:
الحكم المطلق لفترات طويلة نتج عنه إحساس رئيس الجمهورية أو القائد بأنه يملك مقدرات البلاد وليس أميناً عليها، وكذلك إقصاء المعارضة الحقيقية أدى بالأنظمة إلى الجمود وعدم التطور، فلم تعد النخب الحاكمة مشحونة باتجاه التطور لانعدام أي قطب آخر، ففقدت الدافع على التخطيط والقيادة الذين يشكلان أهم وظائفها، فركنت إلى الخمول و التسابق في جمع الثروات، وأضحى الحاكم وجماعته شركاءً أصيلين في جميع الأعمال التجارية، وأصبحت مقدرات البلاد نهباً له ولحاشيته يتصرف فيها كما يشاء، ويبيعها لمن يشاء وبأي سعر يشاء، وقد غذّى ذلك كله إنعدام مطلق للخوف من المحاسبة، حتى لم يعد يتفنن في تغطية السرقة بل أصبحت سرقة مال الدولة وأراضيها على المكشوف.

ثانياً:
كأحد نتائج الاستبداد يصبح الدخول إلى دائرة الحكم مرتبطاً بالولاء المطلق، ولا يعتمد على الكفاءة الأمر الذي أوصل عديميها إلى أرفع المناصب القيادية في مختلف المجالات، ولأن الكفاءة تحتاج إلى فكر وعمل يؤديان بصاحبهما إلى الترفع عن النفاق ناهيك عن إحساسه بعدم الارتياح - على الأقل - عندما يضطر لتنفيذ الأوامر الصادرة عن جهة يعلم علم اليقين أنها أقل منه رصيداً فكرياً وكفاءة، مما اضطره إلى الانزواء والعزلة أو الخروج من وطنه بحثاً عن فرصة ترضي طموحه، وأصبح الميدان حكراً على الموالين قليلي الكفاءة فكانت النتائج كارثية.

ثالثاً:
لم يعد الحاكم يكتفي رغم سوء أدائه بالمجد الآني بل أراد أن يخلد بعد رحيله، وأن يستمر نسله أو ذووه من بعده، الأمر الذي شكّل سابقة خطيرة في التاريخ المعاصر لا تتسق مع السير الطبيعي للتاريخ، وقد يكون هذا العامل أهم العوامل الباعثة للثورة لأنه سد أفاق الأمل بمستقبل أفضل في وجه شرائح واسعة من المجتمع، الذي ثار رغم إحساسه بالضعف والتفكك عند أول سانحة ودون أدنى دراسة لجدوى الثورة وما سيدفعه ثمناً لها وهو موضوع سيشكل مادة غنية للبحث في أعماقها مستقبلاً.

رابعاً:
وكنتيجة طبيعية لما ورد في النقاط السابقة بدأ الفساد يتسع ويتغول بشكل لم يسبق له مثيل ليشمل كل قطاعات الدولة وفي كل مستويات الهرم، الأمر الذي أدى إلى تردي الخدمات والبنى التحتية وخاصة في المناطق الريفية، والأحياء المكتظة داخل المدن، وفي ظل عجزها عن تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين وتحت مسميات تحرير الاقتصاد بدأت الدولة بخصخصة القطاع الحكومي وهو الملاذ الأخير للمعدمين ومحدودي الدخل الذين يشكلون غالبية المجتمع، ليتم بيعه بصفقات مشبوهة صبت بشكل غير مباشر في جيوب الحاكم و أعوانه.

خامساً:
استوجب ما سبق اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم مما نتج عنه فقدان ثقة المواطن بالنظام الحاكم وهو شعور خطير جداً أفضى قبل اندلاع الثورة إلى ضعف الشعور بالمواطنة ومن ثم اللامبالاة وتضخم الأنا الشخصية للفرد على حساب الآخرين، وهو ما يفسر عدم اكتراث الشعوب بعد اندلاع الثورة بأي تنازل يقدمه نظامه الحاكم، بل يصبح التنازل بغض الطرف عن مصداقيته مؤشراً على ضعف السلطة التي لم يعتد المواطن منها إلا الإقصاء والتجبر، مما جعل المعادلة تبدو بحسب تعبير المتنبي : من أطاق التماس شيئٍ غلاباً واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا.

سادساً:
وكأحد النتائج المترتبة على سياسة الإقصاء الطويلة والممنهجة وانعدام المعارضة التي تملك القدرة على الفعل و كذلك اضمحلال دور مؤسسات المجتمع المدني، لم تجد الأنظمة أي طرف يملك رصيداً سياسياً يمكن أن تحاوره، أو تتنازل له عن جزء من الكعكة مقابل مساعدتها في تهدئة الشارع الثائر الذي لم يعد لديه مطلب أقل من إسقاط النظام لأنه في ظل انعدام الثقة وعدم وجود ضامن لا مناص لحدوث التغيير من سقوط النظام.

سابعاً:
لم يكن أحد من القادة الخمسة سالفي الذكر صالحاً أو مؤهلا للقيادة، لأنهم لم يملكوا أية استراتيجية أو رؤية حقيقية للمستقبل وظهر فهمهم للسياسة في طريقة معالجة الأزمة كفهم بائع خضار بالجملة للتجارة، يطلب سعراً أعلى في سلعته من السعر الذي ينوي أن يبيع به ليفاوض المشتري على تخفيض هذا الفرق وبذلك لن يمس بهامش الربح الذي يريده، وهو أمر قد يفيد في حلبة الخضار لكنه لا يفيد في سياسة الدول.

النتائج:

إذا نظرنا إلى كل قطر من الأقطار الخمسة على حدة وأجرينا مقارنة بينها نجد أن البواعث السابقة التي شكلت المعطيات تشابهت في جميع الحالات، وقد أدت إلى سقوط نظامي كل من بن علي ومبارك بفعل الثورتين الناجزتين، و عدم قدرة أنظمة القذافي وصالح والأسد على إيقاف قطار الثورة في أقطارهم لأنهم اتبعوا نفس الأساليب تقريباً، لذا ستكون النتيجة بالضرورة سقوط الأنظمة الثلاثة التي بدأت تتأرجح بشدة وإن كان شكل السقوط مختلفاً ومتفاوت التكلفة.

لقد أثبتت الثورات العربية بأن المستبد ومهما تفنن في الخداع إلا أنه غبي قصير النظر لايتعلم من أخطاء من سبقه ونهايته الحتمية مزابل التاريخ ليصبح فيها محطاً للعنات، وهو علاوة على ذلك خائن لوطنه وأبناء جلدته، لا يتورع عن التآمر مع أعداء أمته للبقاء أطول مدة على كرسي حكمه، فهل يفهم هذه الدروس من سيأتي بعد من مستبدين.