أعترف كمواطن سوري أصنف نفسي معارضاً ورافضاً للعنف بكل أشكاله بأنه لم يتملكني هذا الكم من الحيرة طيلة حياتي كما تملكني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيرة ممزوجة بالترقب والخوف من المستقبل، وأعتقد بأن معظم السوريين شاطروني هذا الشعور بغض النظر عن موقفهم من الأحداث الجارية في سوريا وموقفهم من نظام بلادهم أو معارضيه.
لم يكن مصدر الحيرة والقلق حجم العنف الذي استخدمه النظام السوري لقمع الاحتجاجات التي اندلعت والتي عبر عنها المحتجون في مختلف أرجاء القطر بالتظاهر، لأن هذا الأسلوب في القمع بل وربما ما هو أكثر منه كان متوقعاً ومفهوماً، كما كانت هذه التغطية ذات الطابع المافيوزي التي اعتمدتها أجهزة إعلامه الرسمية والموالية، ولم يكن التوقع هنا يحتاج إلى رجم بالغيب أو عبقرية في التحليل، وإنما استوجب معرفة بسيطة بطبيعة هذا النظام واستقراءً عاماً لممارساته الأمنية طيلة العقود الماضية وخصوصاً عقد الثمانينيات وما رافق ذلك من تبريرات وروايات إعلامية لما حدث حينها، فالنظام قمعي وكاذب بامتياز منذ نعومة أظفاره، و قد أسس لوجوده منذ البداية على قمع مناوئيه بأبشع وسائل القمع وأكثرها شراسة، ثم استخدم نفس الوسائل مع تطويرها لتلائم مراحل استمراره، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة للقاصي والداني مما يجعلنا في غنى عن ذكرها هنا، كما أعتقد أن جميع الأفراد الذين قاموا بالتظاهر كتعبير عن احتجاجهم على ممارسات نظامهم كانوا يعلمون مسبقاً رد فعل النظام قبل إقدامهم على ما أقدموا عليه وربما كان شعورهم هذا أكبر دافع على استمرارهم بالاحتجاج رغم كل هذا العنف، فلا يوجد سبيل آخر للخلاص إلا دفع الفاتورة من الدماء، والتأجيل لن يزيد هذه الفاتورة إلا تضخماً.
كما أن مصدر الحيرة والقلق لم يأت من ضعف المواقف الخارجية بشكل عام في إدانة عنف النظام، وإن تفاوتت هذه المواقف حدةً لكنها بلا شك لم تكن كافية أو حتى مساويةً أو مقاربة لمواقف جميع الأطراف الخارجية لما حدث في تونس ومصر وليبيا بل وحتى اليمن، فالجميع يعلم بأن الوضع السوري بالنسبة للأطراف الخارجية أكثر حساسية وتعقيداً استوجبه موقع سوريا الجيوسياسي، رغم معرفة جميع الأطراف أن موجبات الثورة فيها داخلياً أكثر وضوحاً، واستبدادية نظامها وشموليته أكبر من بقية الأنظمة آنفة الذكر، لذلك تراوحت المواقف بين الإدانة الخجولة والتريث وانتظار ما ربما يسفر عنه قمع النظام للثورة من نجاح أو فشل.
فماذا إذن يستوجب الخوف علاوة على الحيرة والقلق أكثر مما حدث؟.
جواباً على هذا السؤال أقول وبشكل مباشر إنه الانقسام والتباين في المواقف ووجهات نظر السوريين أنفسهم مما حدث ويحدث (وأنا أعني الذين عبروا عن مواقفهم وأبدوا وجهات نظرهم من مختلف مكونات الشعب السوري ولا أعني الصامتين خوفاً وإيثاراً للسلامة)، نعم هذا التباين والانقسام الذي أصبح واضحاً جداً وبات مدعاةً حقيقية للقلق، مع أنه كان متوقعاً نسبياً، لكن ليس إلى هذا الحد، وطيلة هذه المدة، فعلى المستوى الشخصي لم أكن أتوقع أن ينجح النظام في خلط الأوراق وجعل الأمور ضبابية إلى هذه الدرجة، ولم أكن أتوقع أن أجد من بعض السوريين (وبنسبة أقل بعض العرب بمن فيهم بعض المثقفين) من يدافع عن هذا النظام ويصدق روايته المليئة بالثقوب رغم مرور أشهر ثلاثة كاملة.
طبعاً هم يطرحون أسئلة معهودة هي في الغالب:
لماذا لم يعط النظام فرصة لتطبيق الإصلاحات التي وعد بها؟
وما هي شرعية موقف المحتجين والغالبية لم تشارك في الاحتجاج؟
ومن قال أن ما حدث لم يكن مؤامرة تستهدف سوريا ومواقفها؟
وأين البديل عن هذا النظام في غياب وجود نواة للمعارضة ؟.
وما إلى هناك من أسئلة تبدو مشروعة ومنطقية.
الإجابة على تلك التساؤلات لا تحتاج إلى كثير من الجهد:
- النظام أخذ من الوقت الكثير ولم يأت بأية إصلاحات بل على العكس تغلغل الفساد في كل ركن ومفصل في هذه الدولة، فلماذا يعد بالإصلاحات الآن، ولماذا نصدقه؟
- وإذا كانت شرعية التسعات الثلاث التي يستند عليها صحيحة فمن أين خرج كل هؤلاء الشباب الذين بصم كثير منهم بالدم على كلمة نعم في استفتاء الموافقة على رأس النظام، في حين أن نسبة النصف في تركيا العلمانية التي يحكمها حزب يصنف بأنه إسلامي النزعة تعد شرعية استثنائية؟
- أما عن عدم مشاركة قطاعات واسعة بالاحتجاجات فقد أجاب النظام عن ذلك بالبنادق والدبابات، ومن وقف في وجهه حتى الآن لا يعتبر محتجاً بل هو بطل ومشروع شهيد يدفع حياته ثمناً للتغيير.
- أما فيما يخص المؤامرة التي تقودها القوى الإمبريالية فلا أظن أن موقف هذه القوى حتى الآن يدعم هذه الحجة، فقد واتتها الفرصة للتدخل وتصعيد اللهجة أكثر من مرة ولكنها ترددت فلماذا تعطي النظام كل هذا الوقت مع احتمال أن ينجح في وأد الثورة وهي لم تعط نفس الفرص لأكبر حلفائها في مصر وتونس، و حين أرادت التدخل في ليبيا لم تعدم الوسيلة ولم تمهل القذافي بل تدخلت عند أول سانحة، وعليه يجب عكس السؤال أليس بقاء النظام يعزز نظرية المؤامرة أكثر من الخلاص منه؟
- أما السؤال عن البديل فهو سؤال برسم موقف من يصر على الاقتناع بهذا النظام والدفاع عنه رغم كل ما سبق فلو انضم لأغلبية الشعب الصامتة أوالتي ثارت، فلن يكون من الصعب إيجاد بديل فعندما تتقارب المواقف وتتعاضد، يصبح التوافق على من يحكم أسهل بكثير من إسقاط النظام، ومن المعيب القول بأن سوريا بكل شعبها وتاريخها لا تستطيع إنجاب نخبة تستطيع إدارة شؤونها إلا هذه النخبة التي شهدنا حكمها لأربعة عقود عجاف.
وفي حال استمر هذا الانقسام والتباين في المواقف بهذه الكيفية فإن فقدان سيطرة النظام على الأرض لن تعني سقوطه وبالتالي لن تحقق هذه الثورة أهدافها ولن تكون هناك نهاية للمطاف، بل سيترتب على ذلك مرحلة تالية أخطر هي مرحلة الدخول في نفق مظلم، تزداد فيه الانقسامات وتتشعب، فالنظام في حالة فقدان السيطرة سيلجأ إلى تأجيل سقوطه ومحاولة النجاة بافتعال حرب أهلية تمهد لتدخل أجنبي ربما يستتبعه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ أو دول تقوم على أسس عرقية أو طائفية مما يعني خسارة الوطن بأكمله وفرار الجاني بفعلته دون عقاب.
إن المشكلة الحقيقية التي يجب على جميع أطياف المثقفين الذين ينتمون إلى المعارضة التغلب عليها وإيجاد حلٍ لها تكمن في هذه الجزئية لأنها تعبر للأسف عن حجم التشويه الذي طال تفكير ووجدان الشخصية السورية التي تنتمي إلى هذا القطاع ومدى التشويش الذي تعرضت له على مدى أربعين عاماً، ولأن النظام حتم على نفسه السقوط عند إطلاق أول رصاصه، فإن المدة التي يجب انتظارها و التكلفة التي يجب دفعها تبعاً لهذه المدة ستتفاوت تبعاً لمعالجة هذه الأزمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق