الاثنين، 23 مايو 2011

إع لام اللي استحوا وما ماتوا


لم يعد يخفى على أحد مدى تأثير الإعلام كأداة هامة ورئيسية لسياسة الشعوب، لدرجة أن البعض أغدق على الصحافة أقدم وسيلة من وسائل الإعلام لقب صاحبة الجلالة، وتم إضافتها عرفاً كسلطةٍ رابعةٍ مستقلةٍ في الدول التي تعترف باستقلال السلطات الثلاث.

ومع الانتشار المتزايد للإنترنت ودخولها إلى كل بيت وفي كثير من الأحيان إمكانية الوصول إليها من كل هاتف محمول، أضيفت وسيلة جديدة وعصرية إلى وسائل الإعلام وهي الوسيلة الإلكترونية، أوما بات يعرف مؤخراً بالإعلام الإلكتروني، وقد تميزت هذه الوسيلة بانتشارها السريع وتعدد وسائطها بين مقروء ومصور ومسموع ومرئي، وإمكانية تفاعل الأفراد معها بطريقة حيّة يصعب التحكم بها، حتى غدا الهاتف المحمول جهاز تحرير وتصوير وتسجيل وبث في آن واحد، ولا يحتاج الخبر إلا دقائق معدودة ليصبح متاحاً وبالدليل على مختلف المواقع الإلكترونية ومنها إلى شاشات التلفزة الفضائية.

 بعد هذه المقدمة التي ارتأيتها مدخلاً لهذه التدوينة التي عنونتها بـ "إع لام اللي استحوا وما ماتوا"، والذي قصدت به الإعلام السوري وخصوصاً قنواته التلفزيونية، الأرضية منها والفضائية، وما تخوضه هذه القنوات كممثلة رئيسية للسلطة الرابعة من حربٍ حقيقية للدفاع عن السلطات الثلاث التي يصعب التفريق بينها، والتي تخوض بدورها حرباً ضد رغبة الشعب السوري بالتغيير، الشعب الذي بدأ حراكه في منتصف شهر آذار الماضي مطالباً بالحرية والإصلاح ثم تصاعد هذا الحراك بفعل ما جوبه به من قمع وتنكيل لينتقل بمرور الوقت من مربع الحراك الاحتجاجي إلى دائرة الثورة (نكاية بخالد العبود)، بكل ما تحمله كلمة ثورة من معنىً، سقف مطالبها إسقاط النظام، تجتاح فعالياتها القطر السوري بأكمله من درعا في أقصى الجنوب إلى إعزاز والقامشلي في أقصى الشمال، ومن تل كلخ في أقصى الغرب إلى البوكمال في أقصى الشرق.

إذن، فطرفا الصراع على الأرض هم الثوار الذين يشكل الشباب غالبيتهم العظمى، وأجهزة الدولة من قوى أمن مختلفة ووحدات جيش خاصة ونظامية يضاف إليهم ما بات يعرف بالشبيحة. يواكب هذا الصراع صراع إعلامي لا يقل عنه ضراوة، طرفه الأول إعلام النظام السوري بمختلف وسائله (ومن ضمنها مواقع الانترنت)، وطرفه الثاني يمكن أن نسميه اصطلاحاً بإعلام الثورة ويتمثل بوسيلة شبه وحيدة هي صور ومشاهد الفيديو التي يتم رفعها على الشبكة العنكبوتية ومن ثم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة إقليمية منها وعالمية مع غياب تام لأي وسيلة إعلامية خارجية محايدة أو منحازة فما يتم بثه على جميع القنوات غير السورية منقول عن أحد الطرفين.

اعتمد الإعلام الرسمي السوري بكل وسائله  (وهو الإعلام الوحيد المتاح داخل سوريا) على الانحياز لرواية النظام فيما يحدث على الأرض كاستراتيجية، وأظهر الصورة بدايةً على أنها لمجاميع صغيرة ومتوسطة من المتظاهرين يطالبون بالإصلاح والتغيير يتم اختراقهم من مجموعات تخريبية تطلق النار على المتظاهرين وعلى قوى الأمن في آن واحد، هي تارة إرهابية وطوراً تخريبية تم تجنيدها بغرض زعزعة الأمن وتدمير المنشآت وبث الفتنة بين مكونات الشعب السوري، وساق في سبيل ذلك اعترافات لأفراد ألقي القبض عليهم وبحوزتهم أسلحة مزعومة تم تزويدهم بها من الخارج، علاوة على إفراد مساحةً غير محدودة للناطقين باسم النظام والمدافعين عنه والمداهنين له من فنانين ومثقفين وأساتذة جامعات ومحللين سياسيين هاجموا الطرف الآخر هجوماً كاسحاً متهمينهم بالانتماء إلى منظمات سلفية مدعومة من الخارج، وقد أفردت لهم القنوات الفضائية كالجزيرة والبي بي سي مساحة موازية لنشطاء حقوق الإنسان والناشطين السوريين محاولة إظهار المصداقية من خلال عرض الرأي والرأي الآخر.

أما الطرف الثاني فكان اعتماده الوحيد على مقاطع الفيديو التي يتم تسجيلها من مواقع التظاهرات بواسطة كاميرات الهواتف المحمولة ثم رفعها إلى موقع اليوتيوب أو إرسالها عبر البريد الالكتروني إلى ناشطين يقومون بدورهم برفعها إلى الموقع المذكور ومن ثم لفت الانتباه إليها بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر، حيث تقوم القنوات الفضائية المختلفة بالتقاطها وبثها كدليل وحيد على ما يجري على الأرض، مع لفت نظر المشاهدين بأن هذه المشاهد تم الحصول عليها عن طريق الشبكة العنكبوتية، عن طريق ناشطين.



ورغم الفارق الشاسع في الإمكانيات بين الطرفين إلا أن الصورة وصلت إلى العالم وحظيت بالاهتمام المطلوب و أصبحت الدليل المادي لما يحدث على الأرض، ولم يشأ الإعلام السوري الاعتراف به ونقلِه إلى العالم، فقد كان مشغولاً بسيناريو آخر وضعه أمام الرأي العام في خانة الدفاع بدلاً من خانة الهجوم شأنه شأن كل أجهزة السلطة الأخرى، و قد استطاع في مرات قليلة التشكيك في مصداقية هذه الفيديوهات لعدم إمكانية التحقق من مصدرها مدعياً حيناً بأنها مفبركة و غير حقيقية ويتم تمثيلها خارج القطر أو أنها أصلاً لأحداث في مناطق داخل سوريا ولكن يتم نسبها إلى مناطق أخرى للتأثير على الرأي العام والتدليل على اتساع رقعة المظاهرات، ناهيك عن أن التعتيم الشديد الذي مارسته السلطة على جميع وسائل الإعلام الخارجية هو الذي أدى إلى هذه الحتمية، الأمر الذي جعل من الممكن حتى لمؤيدي ومنسوبي النظام السوري إرسال فيديوهات تحتوي على معلومات مغلوطة ونسبها إلى مصادر الطرف الآخر ومن ثم الإدعاء بأنها كاذبة، فالإنترنت ليس حكراً على أحد، ورغم كل ذلك فقد نجح إعلام الثورة بوسيلته الوحيدة المتاحة بالاستحواذ على الاهتمام وتسجيل النقطة تلو النقطة ضد آلة إعلامية سخرت لها إمكانيات دولة بأكملها. 

فيديو البيضاء وأمطار الخير في الميدان:



أتوقف عند ما بات يعرف بفيديو البيضاء كدليل على طريقة تعامل الأطراف مع الإعلام وتأثيره على مصداقية الطرفين. فالفيديو بدايةً تم تصويره خلال اجتياح عناصر الأمن والجيش والشبيحة لقرية البيضاء القريبة من بانياس والتنكيل بأهلها لمشاركتهم في التظاهر والاحتجاج. وبرغم أن هذا الفيديو تم تصويره بواسطة الهاتف المحمول ولكن خلافاً للفيديوهات الأخرى فقد تم تصويره بواسطة أحد عناصر الأمن أو الشبيحة الذين كانوا يوسعون الأهالي ضرباً وإذلالاً في ساحة القرية يوم الثالث أو الرابع عشر من نيسان الماضي، ومن ثم تم رفعه إلى موقع يوتيوب و لم يتم التأكد إلى الآن مِن هوية مَن قام برفعه تحديداً فقد قيل بأن من صوره قام برفعه تفاخراً ثم تلقفه وقام بحفظ نسخة منه ورفعه بعد ذلك أحد ناشطي الثورة (لأن الفيديو وبعد عرضه بساعات قليلة أزيل من الموقع ثم رفع مرةً أخرى)، كما أشيع أيضاً بأن من صوره قام ببيعه بمبلغ 2000 ليرة سورية لأحد وكلاء المعارضين الذي قام ببثه لاحقاً، أو ربما يكون هناك احتمال ثالث بتسربه نتيجة لتبادله بين أفراد المجموعة التي صورته، ما يهمنا هنا أن الفيديو انتشر خلال ساعات قليلة انتشار النار في الهشيم وتناقلته وسائل الإعلام كصيدٍ ثمينٍ لما فيه من وحشيةٍ طاغيةٍ و لامبالاةٍ صارخةٍ بكرامة المواطنين العزل، لا يمكن أن تصدر إلا عن أفراد ينتمون لجهاز أمن يعتبر نفسه فوق القانون والمساءلة.

فؤجئت وسائل الإعلام السورية بالفيديو يبث على مختلف القنوات ظهر الجمعة الخامس عشر من نيسان، فما كان منها إلاّ أن سارعت لنفيه والادعاء بأنه لا يمت إلى البيضاء أو حتى سوريا من قريب أو بعيد، وإنما هو مصور منذ سنتين في شمال العراق وأن من يظهر فيه هم البشمركة يضربون مواطنيهم، و قد أفردت قناة الدنيا تقريراً تنقد فيه هذا الفيديو وتحاول الشرح والتوضيح وتسوق الأدلة التي تشير إلى أن هذه الأشكال لا تنتمي إلى الأمن السوري، وأن ملابس الجنود والأفراد من بزات عسكرية و أحذية لا تستخدمها عناصر الأمن ولا الجيش السوري، كما أنها استضافت مكالمة هاتفية لمتداخل عراقي يقسم بأغلظ الأيمان بأنه شاهد الفيديو منذ فترة طويلة وأنه حدث عنده في العراق، وقد انبرى المحللون السوريون من أمثال الدكتور الجهبذ عصام التكروري للدفاع عن نظامه متهماً القنوات الفضائية بعدم التحقق مما تقوم ببثه وإنعدام مصداقيتها وتردي مهنيتها، كل ذلك ولم تكلف أي جهة إعلامية سورية نفسها الاتصال بأحد مراسليها للتأكد من ساحة الحدث ومعرفة ما إذا كان ثمة احتمال أن يكون قد حدث فعلاً في البيضاء، ورغم كل ذلك اعتقدت أن العاصفة مرت وأنها كسبت نقطة مهمة باصطيادها من كان يحاول الاصطياد في الماء العكر، وصدقت كذبتها كما صدقته شريحة من المواطنين السوريين كونهم يثقون بإعلام نظامهم (وقد جادلني بعضهم مهاجماً الإعلام المغرض والمدفوع بالحقد والغيرة من موقف سوريا الممانع والمشرف).


إلا أن الطرف الآخر لم يسكت، وببساطة شديدة ذهب إلى ساحة القرية والتقى ببعض الأشخاص الذين تصادف ظهورهم في الفيديو ومنهم الشاب البسيط "أحمد بياسه" والذي كان يرتدي أفرولاً خاكي اللون أثناء تلقيه الركلات والعصي والإهانات (مما دفع أساطين الإعلام السوري على الاعتقاد بأنه عسكري لأن لون ملابسه قريب من لون الملابس العسكرية)، وقد تم تصوير ساحة الجريمة والضحايا ومقارنة الصورتين ومن ثم رفع الفيديو إلى حيث يجب أن يرفع، الأمر الذي شكل دليلاً لا يمكن دحضه على أن ما حدث حدث في البيضاء، وهو ما أدى حسب اعتقادي إلى إقالة مدير الأمن السياسي في بانياس، ليس لأن عناصره أساءت التصرف بفعلها الشائن، بل لأنه أساء التقدير وسمح بتسريب الصورة مما سبب إحراجاً لنظامه الممانع، وطبعاً لم ينبس أحد من جهابذة الإعلام السوري ببنت شفة تعليقاً على الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، فقد كانوا جميعاً مشغولين بالدفاع عن نظامهم الممانع بتفنيد ما تلاه من صور وتوثيق لاعترافات جديدة لموقوفين جدد بحوزتهم نفس الأسلحة التي ضبطت مع من سبقهم من معترفين، ظهر أحدهم على الفضائية السورية (أصبح يعرف بأبي نظير سلواية) وكأنه تعاطى ربع كيلو جرام من الأفيون دفعة واحدة ليقر بملءِ إرادته بأنه عضو خلية تكفيرية قامت بتخريب وحرق المنشآت والباصات في اللاذقية، وقد فات على من قام بإخراج هذا الاعتراف بأن التيار التكفيري هو التيار الأكثر تطرفاً بين تيارات السلفية الجهادية، وأعضاؤه بالتالي الأكثر تطرفاً عقدياً فهم في الغالب لا يتحدثون بالعامية ناهيك عن الصورة التي ظهر بها هذا الرجل والتي لا تمت إلى التدين بصلة.


ويأبى القدر أن يسدل الستار عن فيديو البيضاء، ليعود بطله "أحمد بياسه" إلى الواجهة بعد أكثر من شهر، حين سرب مصدر مجهول خبر مصرعه على أيدي السلطات السورية التي قامت باعتقاله وتغييبه حيث انقطعت أخباره، بعدها عرض الخبر على شاشة الجزيرة لينبري الإعلام السوري مرةً أخرى مدافعاً ومكذباً هذا الادعاء المغرض الذي يتجنى على النظام المقاوم، مصيباً نفسه مرتين بنفس الحجر، حيث قام بعرض تسجيل للشاب "الأيقونة" ينفي من خلاله خبر مصرعه، ولكنه يؤكد وجوده الذي أنكره نفس الإعلام من خلال فيديو البيضاء.


أختتم هذه التدوينة بالمقطع المصور أعلاه والمنقول من الأخبارية السورية حيث تظهر فيه المذيعة الحسناء بتسريحة شعرها المبلل بأمطار الخير (وأنا هنا أستظرف حتى لا تخسر هذه الحسناء ظرافتي) لتنتقد فيها مهنية الجزيرة، وتتحفنا بأن مبررات تفرق مظاهرة الميدان هي نفس أسباب خروجها، وأن العشرات خرجوا مطالبين بالحرية حسب ما أوردته القناة قبل يومين ثم تشير في هذا التقرير الهام الذي وردها قبل قليل إلى أنهم خرجوا ليشكروا الله على أمطار الخير كعادة أهل الشام ثم تفرقوا بفعل هذه الأمطار الأمر الذي جعلني أفوت بالحيط (أستظرف للمرة الثانية كرمال هالعيون الحلوة)، والعجيب أنها وقعت لشدة مهنيتها على الأقل في ثلاثة أخطاء لغوية من خلال قراءة خبر لا يتجاوز الخمسة أسطر رغم حرصها الشديد على اتباع القاعدة التي تقول (سكّن تسلم).

بقي أن أقول (بعد أن فتت بالحيط) أن اللي استحوا ما ماتوا، قولوا "يا لطيف" و "ربي يسر".

الخميس، 19 مايو 2011

من مواطن سوري إلى رئيس الجمهورية


من : مواطن سوري
إلى : السيد / بشار الأسد
رئيس الجمهورية العربية السورية

سيادة الرئيس ...
 
أود أن أتوجه إليك بخطابي هذا بصفتي مواطناً عادياً، شاء له القدر أن يولد ويترعرع في أحضان وطن جميل رائع اسمه سوريا، يتنفس هواءه، ويشرب ماءه، ويأكل من طيبات نبته.
 
أكتب إليك بصفتي سوريّاً تفتحت عيونه على هذه الدنيا في عهد والدك الراحل ، وهو الآن يعيش في عهدك، ولم يكن له في اختياركما يد، ولا من الحياة في ظلكما بد.
 
أكتب إليك بصفتنا بشراً نولد دون إرادتنا ونموت رغم أنوفنا، أولنا نطفة مذرة، وآخرنا جيفة قذرة، حياتنا قصيرة محدودة مهما طالت، وما بين مولدنا ومماتنا تُسجل أعمالنا علينا ثم تسطر في كتب التاريخ بعد رحيلنا، فإما المجد والخلود وإما الخزي والبوار.
 
أكتب إليك لأخاطب فيك الإنسان الذي وُهب العقل أداة التفكير والتفكر ومخزن العلوم والتذكر، و القلب أداة الإحساس ومكمن الروح والوجدان.
 
أكتب إليك بغض النظر عن شعوري تجاهك، فلن تمنعني محبتي لك من صدقك القول إن أحببتك، ولا بغضي لك من إنصافك الحق إن أبغضتك، إنما مبتغاي مصلحة الوطن الذي نستظل بظله جميعاً ويرتفع فوقنا سقفه.
 
أكتب إليك لأن من واجبي عليك أن أنصحك أياً كان موقعي بين أفراد شعبك، ولأن من واجبك علي أن تسمعني وإن كنت رئيساً للجمهورية، فأرجو أن يتسع حلمك لسؤالي، وأن تقرأ ببصيرتك مقالي.
 
أكتب إليك متأخراً بعض الشيء، ولكن ربما لم يفت الأوان بعد، ولئِن نأتِ متأخرين خير من ألا نأتي أبداً ....
 
لا يخفى عليك سيدي أنها أيام عصيبة تمر على وطننا، ثلاثة وستون يوماً منذ أن بدأت جماهير واسعة من أبناء شعبنا بالاحتجاجات المطالبة بالحرية والإصلاح، فكان رد أجهزتكم  عليها عنيفاً، فأوصدت الآذان وفتحت النيران، وسقط من الشهداء ما يقرب من ألف شهيد، جلهم قتل، لا لجرم اقترفه بل لحق طلبه، كل واحد من هؤلاء له أم وأب، وأخ أوأخت، وربما بنات وأبناء. كل واحد منهم له أقرباء وأصدقاء وأحباء، ضحى بحياته من أجلهم وأجل وطنه، هم اليوم يبكونه وهم غداً سيذكرونه، ناهيك عن الجرحى الذين فقدوا بعض أعضائهم أو أصيبوا بعاهات وجروح ستظل ترافقهم طيلة حياتهم، وألاف المعتقلين الذي غصت بهم السجون وما لاقوه فيها من ضرب وإهانة وأذىً نفسي لا يقل ضرراً ومضاضة عن الأذى الجسدي.
 
نعم، إنها إلى الآن تسعة أسابيع بالتمام والكمال، اجتيحت فيها المدن بالدبابات، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، تسعة أسابيع رأينا فيها من الهول ما تشيب له الولدان، وكأنها كوابيس يراها النائم في منام، وليست مشاهد تجري في شوارع المدن والقرى والضواحي، مشاهد تدمع لها العيون وتدمى لها القلوب، يقتل السوريون فيها السوريين، ويضيع فيها صوت العقل في ضوضاء أزيز الرصاص وصرير جنازير المدرعات، يرفع فيها السلاح في وجه المحب القريب ويدار أخمصه جهة العدو الغريب، وتوجه فيها التهم جزافاً دون دليل لشباب الوطن الذين هم عماد مستقبله، فهم تارةً إرهابيون تدفعهم نزعةُ راديكالية، وتارةً خونةً باعوا أنفسهم للأعداء، وتارةً مخربون هدفهم زعزعة الأمن وإسقاط النظام.
 
أسألك يا سيدي ومثلك يعرف الكثير، بالله عليك، ما الذي يدفع شباباً ينتمون إلى شعبٍ من أعرق شعوب الأرض، معظمهم في مقتبل العمر للخروج في مظاهرة احتجاجية وهم يعلمون أنه قد يكون خروجهم الأخير من بيوتهم؟ وهم يرون رفاقهم بين قتيل وجريح و معتقل، أيعقل أن يغرر بكل تلك الآلاف من العقول؟ أليس في هذا استخفاف لعقل الشعب الذي تحكمه؟. ألم يخرجوا لطلب محق رفعتموه كشعار فوق مقرّات حزبكم ولم يتحقق منه شيء؟. أليس التعامل معهم بمثل هذا الأسلوب سيدفعهم ويدفع ذويهم للثأر والتخريب؟. أليس الخاسر في النهاية هو الوطن الذي نحن فيه شركاء؟، أسألك ولا أعلم إن كانت الحقائق تصلك كما تجري على الأرض، أم أن عنقها يلوى كما يشاء من قرر استخدام العنف ابتداءً وأطلق النار، بدلاً من أن يجلس إلى طاولة الحوار.
 
إن مسؤوليتك يا سيدي تحتم عليك الإصغاء إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى، فإن كنت ممسكاً بزمام الأمور وأمرك مطاع فيمن هم حولك، فإن أولى الخطوات وقف القتل والتنكيل فوراً، فكل دقيقة تمر وفيها دم يسفك وكرامةُ تنتهك تبعدك عن شعبك وتقربك من حتفك، فما هو ممكن اليوم سيستحيل غداً أو بعد غد، ولا يخدعنك من يزين لك القمع وإهراق الدماء، ويبسط لك الأمر ويهون عليك العواقب، فهو عدو لك مبين وإن ظن أو ظننت أنه يريد صالحك، ولو كان أخوك الذي ولدته لك أم أو قريب جمعك به رحم، فإذا صمت صوت البنادق و خلت الشوارع ممن يطلقون النار، واطمأن الناس إلى انتهاء العنف، فعليك باعتذار صادق عما حدث ووعد جادٍ بإجراء تحقيق صارم لمن أخطأ، و بعدها تدعو الناس إلى اختيار من يثقون به ويرضونه لحوار باسمهم على ألا يكون له سابق خدمة في حكومتك أو انتساب إلى حزبك، بعدها يجري حوار شفاف تعد الناس أن تلتزم بنتائجه ولو كانت مغادرة موقعك أو التنازل لغيرك، وهو موقف لا يعيبك ولا يقلل من قدرك بل لعمري هو موقف شجاع يحقن دماء أمتك وبني جلدتك ويوقف الخراب والدمار، لا يستطيع وقوفه إلا من كان عنده عزيمة صلبة وإرادة لا تلين.
 
أما إذا لم تكن مسيطراً على زمام الأمور، وما حدث ويحدث لم يكن من تدبيرك وليس لك فيه رضاً، فإن المسؤولية لا تسقط عنك، لأنك عندها تحمل وزر غيرك بإرادتك، و حينها ليس لديك إلا أن تخرج على شعبك بخطاب تبرأ فيه مما حدث، وتنحاز إلى الجماهير، ففيها من أحبك ووثق بك، وسنكون حينها مكبرين شجاعتك وإخلاصك وسندعمك ونقف في صفك وتكون محمياً بشعبك، أما من يصر على القتل والعنف فسيصبح بلا شرعية تحميه ويضطر إلى التسليم بالأمر الواقع، ووقتها لديك الوقت لكي تستطيع إجراء إصلاح حقيقي يناسب عراقة شعبك، ويضمن حريته ويصون كرامته.
 
لقد قدر لك سيدي أن تكون مسؤولاً عن هذا الوطن في هذه المرحلة الحرجة وحسن تصرفك سيجنب هذا الوطن مصائب وويلات كثيرة، أما سوءُه فسيدفع بالجميع وبالوطن إلى ما لا تحمد عقباه. لقد قدر لك أن تكون صمام أمان لهذا البلد، فاستمع لصوت العقل والحكمة واربأ بنفسك أن تكون فتيل اشتعال، و أن تنظر إلى أبناء شعبك الذين هم أهلك أياً كانت انتماءاتهم الإثنية أو السياسية أو العقائدية نظرة قائدٍ محب، يغلب مصلحة الوطن عندما يدلهم الخطب ويدهم الخطر، ويقدمها على المصالح الضيقة شخصيةً كانت أو عائلية، ولك عبرةُ فيمن سبق من رؤساء دول مجاورة كانوا قبل أشهر قليلة لا ترد لهم كلمة، ولا يعصى لهم أمر، ثم ثارت شعوبهم واتبعوا خطوات شبيهة بالخطوات التي قمت باتباعها منذ بداية الأزمة، لظنهم أنها ناجحة ولكنهم اليوم يعضون أصابع الندم.
 
أخيراً تذكر يا سيادة الرئيس بأن الإنسان لا يخلد في هذه الحياة، إن آمن بوجود حياةٍ أُخرى أم لم يؤمن، وفي كلتا الحالتين وجوده في الدنيا مؤقت ولا يمكن أن يخلد فيها إلا على صفحات الكتب.
 
هذا خطابي إليك سيدي الرئيس، وهو ما جادت به قريحتي وأملاه عليَّ واجبي وضميري، حاولت جَهدي أن أكون فيه مخلصاً لوطني ومعتقدي، وصادقاً معك ومع نفسي، وقد تعمدت فيه عدم مجاملتك، مبتعداً عن لغة النفاق والمداهنة، وهي اللغة التي يجب لعمري أن تخرج من العقل لتصل إلى العقل، وينبغي أن يتخاطب بها المواطنون مع رؤسائهم في دول العالم الحر، الذي نتطلع جميعاً للانتماء إليه.



مواطن سوري

الأحد، 15 مايو 2011

النظام السوري - الخصوصية وحتمية السقوط

يراهن الكثيرون من مريدي النظام السوري والمستفيدين من بقائه داخل سوريا، ومن تربطهم به مصالح خارجها على نجاح هذا النظام في تجاوز الأزمة التي يمر بها حالياً، معتقدين أنه قطع شوطاً كبيراً في تحقيق هذا الهدف باعتماده الحل الأمني المتمثل باستخدام القمع الوحشي للمتظاهرين المطالبين بالحرية والذين عجت بهم مختلف المحافظات والمدن السورية، مستشهدين بقلة الأعداد التي خرجت للتظاهر نسبة إلى إجمالي عدد السكان ومن ثم تراجع هذه الأعداد في الجمعتين الأخيرتين (جمعة الغضب وجمعة الحرائر) عن الجمعتين اللتين سبقتهما (جمعة الصمود والجمعة العظيمة)، وعدم خروج أعداد كبيرة من المحتجين في أكبر مدينتين سوريتين (دمشق وحلب) مفسرين ذلك بأنه انحسار وتراجع للثورة مما يعني أنها في طريقها إلى الخمود.


لقد أبدى هؤلاء إعجابهم بطريقة إدارة النظام للأزمة إعلامياً، حيث أولى الحرب الإعلامية أهمية كبرى فأغرق وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والعالمية بسيل من المحللين السياسيين والإعلاميين الموالين، والذين ظهروا على شاشات التلفاز أكثر من المسؤولين وصانعي القرار ليقدموا على مدار نشرات الأخبار والبرامج التحليلية في جميع القنوات الإعلامية مبررات مافيوزية لسقوط هذا العدد من القتلى والجرحى واعتقال الآلاف الذين غصت بهم مراكز التوقيف والسجون السورية حتى تمت الاستعانة بمباني المدارس والملاعب الرياضية لاستياعبهم، كما لم يهمل النظام أهمية الإعلام الالكتروني المتمثل في مواقع وكالات الأنباء ومواقع الصحف الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي فزج بمرتزقته مطبلين ومزمرين ومرجفين ليدافعوا عن مواقفه تصرفاته تارةً ويخونوا كل من ينبس ببنت شفة ضد هذه التصرفات تارة أخرى بدعوى أن أي موقف مخالف يصب في مصلحة المخططات التي تستهدف سوريا باعتبارها آخر قلاع الصمود والممانعة للسياسات الإمبريالية التي ترمي إلى السيطرة على المنطقة.


هكذا بدت الصورة على الأقل من وجهة نظرهم بل وحتى من وجهة نظر الكثير من المحايدين والمتابعين للثورة السورية و الذين تنقصهم الرؤية العميقة للوضع السوري الداخلي، ولكن هذه الصورة لها أبعاد أخرى لايمكن للعين الناقدة تجاوزها، فما جرى حتى الآن لا يعدو عن كونه مرحلة أولى من مراحل هذه الثورة، فالنظام وإن بدى مسيطراً في بعض الأحيان، إلا أنه اضطر إلى استخدام معظم أوراقه من أجل هذه السيطرة ولم يبق لديه إلا أقل القليل ليلعب به، حيث اضطر مبكراً بعد فشل أجهزته الأمنية إلى التصعيد العسكري بأعلى درجاته ضد المدنيين فاستخدم الدبابات والمدرعات ومختلف أنواع الأسلحة التي لا تستخدم عادةً إلا في الحروب التقليدية، فاجتاح المدن بعد محاصرتها ومن ثم تمركز في مفاصل حركتها قاطعاً الطريق أمام أي تجمع أو مظهر احتجاج، علاوةً على حملات التفتيش من حيٍ إلى حي ومن منزل إلى منزل بحثاً في بعض الأحيان عن أي رجل فيما بين الثامنة عشرة والأربعين من عمره.

الخصوصية:

 إن خصوصية النظام السوري تكمن في ثلاثة عناصر:

أولها كونه أكثر الأنظمة السياسية في الوطن العربي شمولية واستخداماً لأدوات القمع والتسلط في إدارة الدولة، لا يشاركه في ذلك إلا نظام القذافي في ليبيا مع اختلافهما في الطبيعة السياسية، كونه يتبنى مشروعاً أيدولوجياً يبدو أكثر عمقاً نتيجة للتجربة السياسية المبكرة في سوريا إبّان الاستقلال وكذلك الفوارق بين سوريا وليبيا من حيث الموقع الجغرافي والديموغرافية وطبيعة المجتمع تركيباً وثقافةً.

أما العنصر الثاني فيتأتى من تجربته القمعية السابقة في مطلع ثمانينات القرن المنصرم ونجاحه حينها في القضاء على مناوئيه مما جلب له الاستقرار خلال العقود الثلاثة التالية فأصبح أكثر ثقةً في أدواته لأنه جربها وجلبت له نجاحاً استثمره لاحقاً في تركيع كافة الأطياف السياسية ومن ثم تدجين المجتمع السوري بجميع مكوناته لدرجة أنه استطاع توريث منصب رئيس الجمهورية من الأب إلى الابن بسلاسة ودون معارضةٍ تذكر.

ثالث هذه العناصر وأخطرها هو اعتماده على البراغماتية كأهم سلاح للبقاء حتى تضخمت الوسيلة لتصبح أهم من الغاية دون تفكير في عواقب استخدامها المفرطة، ومثال ذلك استغلاله للطائفية داخلياً وخارجياً، ففي الداخل استغل الطائفة العلوية التي ينحدر منها معظم القادة والعسكريون الممسكون بزمام الجيش السوري وغالبية رجال السياسة والحكم والاقتصاد وهؤلاء تزيد نسبتهم في الجزء الأعلى من هرم السلطة عشرات الأضعاف عن نسبة مكونهم لإجمالي عدد السوريين، لذلك فهو يحاول بشتى الأشكال أن يبث الرعب في قلب أبناء الطائفة الذين تضرر الكثير منهم  خلال فترة حكمه (شأن جميع السوريين) من تبعات سقوطه وبالتالي وصول الأكثرية إلى السلطة وما سيتبعه من عمليات انتقام وإقصاء مفترضة.
وقد استكمل استغلاله للطائفية خارجياً (وقد بدا ذلك واضحاً في عهد الإبن أكثر من وضوحه في عهد الأب) بوقوفه في معسكر إيران وحزب الله اللبناني بدعوى دعم المقاومة وما نتج عن ذلك من استقطاب سني شيعي في المنطقة برمتها.

حتمية السقوط:

خلافاً لرهان النظام الواضح من خلال تشبثه باستخدام القوة كوسيلة لتجاوز الأزمة، واستعداده لتقديم التنازلات على الصعيد الخارجي كضمانة للبقاء، إلا أنه ساقط من الناحية العملية، فما تم إنجازه داخلياً من ثورة حتى الآن ضعضع كثيراً من صورته التي عمل على ترسيخها في مخيلة المجتمع السوري لأربعة عقود والذي بدوره أدرك أن النظام أصبح عارياً لم تعد تستره شعاراته الرنانة ومتى سقطت هيبة السلطة الاستبدادية فإنها ستسقط وليس أمامها إلا اللجوء إلى المزيد من القمع الأمر الذي أصبح مستحيلاً في زمن يستطيع فيه أي مواطن عادي القيام بدور وكالة أنباء.

أما رهان النظام على ضرورة وجوده كضامن للاستقرار الإقليمي فهو رهان يبدو للوهلة الأولى مطمئناً، إلا أن تأثير الثورات العربية الناجزة وتطورات ماهو قيد الإنجاز منها لا يصب في مصلحته، علاوة على تلوث سمعته على المستوى الدولي الأمر الذي يجعل منه شريكاً قذراً لا تحبذ غالبية القوى الخارجية التعامل معه خاصة الليبرالية منها والتي تهتم للرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني في بلادها.

بقي احتمال واحد صرح به بعض اركان النظام ولمح له البعض الآخر، ألا وهو الذهاب أبعد من ذلك مما سيجر البلاد إلى حرب أهلية، وهو احتمال مخيف ولكنه لا يبدو كبيراً، خصوصاً مع التداعي المستمر للقذافي في ليبيا الذي بدأت تلوح في الأفق نهايته الوشيكة، علاوة على سرعة تفكك المصالح التي تجمع بنية النظام فعندما تحق الحقيقة لا أحد يرغب (وإن هدد وتوعد) بدخول حرب خسارتها محتمة وإن كبد الطرف الآخر خسارةً مماثلة.