يراهن الكثيرون من مريدي النظام السوري والمستفيدين من بقائه داخل سوريا، ومن تربطهم به مصالح خارجها على نجاح هذا النظام في تجاوز الأزمة التي يمر بها حالياً، معتقدين أنه قطع شوطاً كبيراً في تحقيق هذا الهدف باعتماده الحل الأمني المتمثل باستخدام القمع الوحشي للمتظاهرين المطالبين بالحرية والذين عجت بهم مختلف المحافظات والمدن السورية، مستشهدين بقلة الأعداد التي خرجت للتظاهر نسبة إلى إجمالي عدد السكان ومن ثم تراجع هذه الأعداد في الجمعتين الأخيرتين (جمعة الغضب وجمعة الحرائر) عن الجمعتين اللتين سبقتهما (جمعة الصمود والجمعة العظيمة)، وعدم خروج أعداد كبيرة من المحتجين في أكبر مدينتين سوريتين (دمشق وحلب) مفسرين ذلك بأنه انحسار وتراجع للثورة مما يعني أنها في طريقها إلى الخمود.
لقد أبدى هؤلاء إعجابهم بطريقة إدارة النظام للأزمة إعلامياً، حيث أولى الحرب الإعلامية أهمية كبرى فأغرق وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والعالمية بسيل من المحللين السياسيين والإعلاميين الموالين، والذين ظهروا على شاشات التلفاز أكثر من المسؤولين وصانعي القرار ليقدموا على مدار نشرات الأخبار والبرامج التحليلية في جميع القنوات الإعلامية مبررات مافيوزية لسقوط هذا العدد من القتلى والجرحى واعتقال الآلاف الذين غصت بهم مراكز التوقيف والسجون السورية حتى تمت الاستعانة بمباني المدارس والملاعب الرياضية لاستياعبهم، كما لم يهمل النظام أهمية الإعلام الالكتروني المتمثل في مواقع وكالات الأنباء ومواقع الصحف الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي فزج بمرتزقته مطبلين ومزمرين ومرجفين ليدافعوا عن مواقفه تصرفاته تارةً ويخونوا كل من ينبس ببنت شفة ضد هذه التصرفات تارة أخرى بدعوى أن أي موقف مخالف يصب في مصلحة المخططات التي تستهدف سوريا باعتبارها آخر قلاع الصمود والممانعة للسياسات الإمبريالية التي ترمي إلى السيطرة على المنطقة.
هكذا بدت الصورة على الأقل من وجهة نظرهم بل وحتى من وجهة نظر الكثير من المحايدين والمتابعين للثورة السورية و الذين تنقصهم الرؤية العميقة للوضع السوري الداخلي، ولكن هذه الصورة لها أبعاد أخرى لايمكن للعين الناقدة تجاوزها، فما جرى حتى الآن لا يعدو عن كونه مرحلة أولى من مراحل هذه الثورة، فالنظام وإن بدى مسيطراً في بعض الأحيان، إلا أنه اضطر إلى استخدام معظم أوراقه من أجل هذه السيطرة ولم يبق لديه إلا أقل القليل ليلعب به، حيث اضطر مبكراً بعد فشل أجهزته الأمنية إلى التصعيد العسكري بأعلى درجاته ضد المدنيين فاستخدم الدبابات والمدرعات ومختلف أنواع الأسلحة التي لا تستخدم عادةً إلا في الحروب التقليدية، فاجتاح المدن بعد محاصرتها ومن ثم تمركز في مفاصل حركتها قاطعاً الطريق أمام أي تجمع أو مظهر احتجاج، علاوةً على حملات التفتيش من حيٍ إلى حي ومن منزل إلى منزل بحثاً في بعض الأحيان عن أي رجل فيما بين الثامنة عشرة والأربعين من عمره.
الخصوصية:
إن خصوصية النظام السوري تكمن في ثلاثة عناصر:
أولها كونه أكثر الأنظمة السياسية في الوطن العربي شمولية واستخداماً لأدوات القمع والتسلط في إدارة الدولة، لا يشاركه في ذلك إلا نظام القذافي في ليبيا مع اختلافهما في الطبيعة السياسية، كونه يتبنى مشروعاً أيدولوجياً يبدو أكثر عمقاً نتيجة للتجربة السياسية المبكرة في سوريا إبّان الاستقلال وكذلك الفوارق بين سوريا وليبيا من حيث الموقع الجغرافي والديموغرافية وطبيعة المجتمع تركيباً وثقافةً.
أما العنصر الثاني فيتأتى من تجربته القمعية السابقة في مطلع ثمانينات القرن المنصرم ونجاحه حينها في القضاء على مناوئيه مما جلب له الاستقرار خلال العقود الثلاثة التالية فأصبح أكثر ثقةً في أدواته لأنه جربها وجلبت له نجاحاً استثمره لاحقاً في تركيع كافة الأطياف السياسية ومن ثم تدجين المجتمع السوري بجميع مكوناته لدرجة أنه استطاع توريث منصب رئيس الجمهورية من الأب إلى الابن بسلاسة ودون معارضةٍ تذكر.
ثالث هذه العناصر وأخطرها هو اعتماده على البراغماتية كأهم سلاح للبقاء حتى تضخمت الوسيلة لتصبح أهم من الغاية دون تفكير في عواقب استخدامها المفرطة، ومثال ذلك استغلاله للطائفية داخلياً وخارجياً، ففي الداخل استغل الطائفة العلوية التي ينحدر منها معظم القادة والعسكريون الممسكون بزمام الجيش السوري وغالبية رجال السياسة والحكم والاقتصاد وهؤلاء تزيد نسبتهم في الجزء الأعلى من هرم السلطة عشرات الأضعاف عن نسبة مكونهم لإجمالي عدد السوريين، لذلك فهو يحاول بشتى الأشكال أن يبث الرعب في قلب أبناء الطائفة الذين تضرر الكثير منهم خلال فترة حكمه (شأن جميع السوريين) من تبعات سقوطه وبالتالي وصول الأكثرية إلى السلطة وما سيتبعه من عمليات انتقام وإقصاء مفترضة.
وقد استكمل استغلاله للطائفية خارجياً (وقد بدا ذلك واضحاً في عهد الإبن أكثر من وضوحه في عهد الأب) بوقوفه في معسكر إيران وحزب الله اللبناني بدعوى دعم المقاومة وما نتج عن ذلك من استقطاب سني شيعي في المنطقة برمتها.
حتمية السقوط:
خلافاً لرهان النظام الواضح من خلال تشبثه باستخدام القوة كوسيلة لتجاوز الأزمة، واستعداده لتقديم التنازلات على الصعيد الخارجي كضمانة للبقاء، إلا أنه ساقط من الناحية العملية، فما تم إنجازه داخلياً من ثورة حتى الآن ضعضع كثيراً من صورته التي عمل على ترسيخها في مخيلة المجتمع السوري لأربعة عقود والذي بدوره أدرك أن النظام أصبح عارياً لم تعد تستره شعاراته الرنانة ومتى سقطت هيبة السلطة الاستبدادية فإنها ستسقط وليس أمامها إلا اللجوء إلى المزيد من القمع الأمر الذي أصبح مستحيلاً في زمن يستطيع فيه أي مواطن عادي القيام بدور وكالة أنباء.
أما رهان النظام على ضرورة وجوده كضامن للاستقرار الإقليمي فهو رهان يبدو للوهلة الأولى مطمئناً، إلا أن تأثير الثورات العربية الناجزة وتطورات ماهو قيد الإنجاز منها لا يصب في مصلحته، علاوة على تلوث سمعته على المستوى الدولي الأمر الذي يجعل منه شريكاً قذراً لا تحبذ غالبية القوى الخارجية التعامل معه خاصة الليبرالية منها والتي تهتم للرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني في بلادها.
بقي احتمال واحد صرح به بعض اركان النظام ولمح له البعض الآخر، ألا وهو الذهاب أبعد من ذلك مما سيجر البلاد إلى حرب أهلية، وهو احتمال مخيف ولكنه لا يبدو كبيراً، خصوصاً مع التداعي المستمر للقذافي في ليبيا الذي بدأت تلوح في الأفق نهايته الوشيكة، علاوة على سرعة تفكك المصالح التي تجمع بنية النظام فعندما تحق الحقيقة لا أحد يرغب (وإن هدد وتوعد) بدخول حرب خسارتها محتمة وإن كبد الطرف الآخر خسارةً مماثلة.
اعتقد ان نظام الاسد اهتز بعنف لكن اشك بانه يتهاوى امام الضربات المتتاليو من الداخل فهو يراهن على الكثير من العوامل .. كما ان فساداً عمرة اكثر من 50 عاما ليس بالسهولة بمكان ازالته
ردحذفصحيح أنه لا يعبأ بالداخل نتيجة غطرسته وتسلطه بقوة السلاح على العزل، إلا أن تركيبته ليست بتلك القوة ومقاتلوه لا يملكون أي عقيدة قتالية، فتراهم أقوياء لأن خصمهم أعزل، أما الخارج فلا أعتقد أن صمته سيطول وإذا استمرت الثورة بنفس الزخم بضعة أيام فسيبدأ الضغط الخارجي بالتصاعد وقد تنزع عنه الشرعية وحينها سيبدأ القفز من المركب الآيل للغرق
ردحذف