لم يعد يخفى على أحد مدى تأثير الإعلام كأداة هامة ورئيسية لسياسة الشعوب، لدرجة أن البعض أغدق على الصحافة أقدم وسيلة من وسائل الإعلام لقب صاحبة الجلالة، وتم إضافتها عرفاً كسلطةٍ رابعةٍ مستقلةٍ في الدول التي تعترف باستقلال السلطات الثلاث.
ومع الانتشار المتزايد للإنترنت ودخولها إلى كل بيت وفي كثير من الأحيان إمكانية الوصول إليها من كل هاتف محمول، أضيفت وسيلة جديدة وعصرية إلى وسائل الإعلام وهي الوسيلة الإلكترونية، أوما بات يعرف مؤخراً بالإعلام الإلكتروني، وقد تميزت هذه الوسيلة بانتشارها السريع وتعدد وسائطها بين مقروء ومصور ومسموع ومرئي، وإمكانية تفاعل الأفراد معها بطريقة حيّة يصعب التحكم بها، حتى غدا الهاتف المحمول جهاز تحرير وتصوير وتسجيل وبث في آن واحد، ولا يحتاج الخبر إلا دقائق معدودة ليصبح متاحاً وبالدليل على مختلف المواقع الإلكترونية ومنها إلى شاشات التلفزة الفضائية.
بعد هذه المقدمة التي ارتأيتها مدخلاً لهذه التدوينة التي عنونتها بـ "إع لام اللي استحوا وما ماتوا"، والذي قصدت به الإعلام السوري وخصوصاً قنواته التلفزيونية، الأرضية منها والفضائية، وما تخوضه هذه القنوات كممثلة رئيسية للسلطة الرابعة من حربٍ حقيقية للدفاع عن السلطات الثلاث التي يصعب التفريق بينها، والتي تخوض بدورها حرباً ضد رغبة الشعب السوري بالتغيير، الشعب الذي بدأ حراكه في منتصف شهر آذار الماضي مطالباً بالحرية والإصلاح ثم تصاعد هذا الحراك بفعل ما جوبه به من قمع وتنكيل لينتقل بمرور الوقت من مربع الحراك الاحتجاجي إلى دائرة الثورة (نكاية بخالد العبود)، بكل ما تحمله كلمة ثورة من معنىً، سقف مطالبها إسقاط النظام، تجتاح فعالياتها القطر السوري بأكمله من درعا في أقصى الجنوب إلى إعزاز والقامشلي في أقصى الشمال، ومن تل كلخ في أقصى الغرب إلى البوكمال في أقصى الشرق.
إذن، فطرفا الصراع على الأرض هم الثوار الذين يشكل الشباب غالبيتهم العظمى، وأجهزة الدولة من قوى أمن مختلفة ووحدات جيش خاصة ونظامية يضاف إليهم ما بات يعرف بالشبيحة. يواكب هذا الصراع صراع إعلامي لا يقل عنه ضراوة، طرفه الأول إعلام النظام السوري بمختلف وسائله (ومن ضمنها مواقع الانترنت)، وطرفه الثاني يمكن أن نسميه اصطلاحاً بإعلام الثورة ويتمثل بوسيلة شبه وحيدة هي صور ومشاهد الفيديو التي يتم رفعها على الشبكة العنكبوتية ومن ثم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة إقليمية منها وعالمية مع غياب تام لأي وسيلة إعلامية خارجية محايدة أو منحازة فما يتم بثه على جميع القنوات غير السورية منقول عن أحد الطرفين.
اعتمد الإعلام الرسمي السوري بكل وسائله (وهو الإعلام الوحيد المتاح داخل سوريا) على الانحياز لرواية النظام فيما يحدث على الأرض كاستراتيجية، وأظهر الصورة بدايةً على أنها لمجاميع صغيرة ومتوسطة من المتظاهرين يطالبون بالإصلاح والتغيير يتم اختراقهم من مجموعات تخريبية تطلق النار على المتظاهرين وعلى قوى الأمن في آن واحد، هي تارة إرهابية وطوراً تخريبية تم تجنيدها بغرض زعزعة الأمن وتدمير المنشآت وبث الفتنة بين مكونات الشعب السوري، وساق في سبيل ذلك اعترافات لأفراد ألقي القبض عليهم وبحوزتهم أسلحة مزعومة تم تزويدهم بها من الخارج، علاوة على إفراد مساحةً غير محدودة للناطقين باسم النظام والمدافعين عنه والمداهنين له من فنانين ومثقفين وأساتذة جامعات ومحللين سياسيين هاجموا الطرف الآخر هجوماً كاسحاً متهمينهم بالانتماء إلى منظمات سلفية مدعومة من الخارج، وقد أفردت لهم القنوات الفضائية كالجزيرة والبي بي سي مساحة موازية لنشطاء حقوق الإنسان والناشطين السوريين محاولة إظهار المصداقية من خلال عرض الرأي والرأي الآخر.
أما الطرف الثاني فكان اعتماده الوحيد على مقاطع الفيديو التي يتم تسجيلها من مواقع التظاهرات بواسطة كاميرات الهواتف المحمولة ثم رفعها إلى موقع اليوتيوب أو إرسالها عبر البريد الالكتروني إلى ناشطين يقومون بدورهم برفعها إلى الموقع المذكور ومن ثم لفت الانتباه إليها بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر، حيث تقوم القنوات الفضائية المختلفة بالتقاطها وبثها كدليل وحيد على ما يجري على الأرض، مع لفت نظر المشاهدين بأن هذه المشاهد تم الحصول عليها عن طريق الشبكة العنكبوتية، عن طريق ناشطين.
ورغم الفارق الشاسع في الإمكانيات بين الطرفين إلا أن الصورة وصلت إلى العالم وحظيت بالاهتمام المطلوب و أصبحت الدليل المادي لما يحدث على الأرض، ولم يشأ الإعلام السوري الاعتراف به ونقلِه إلى العالم، فقد كان مشغولاً بسيناريو آخر وضعه أمام الرأي العام في خانة الدفاع بدلاً من خانة الهجوم شأنه شأن كل أجهزة السلطة الأخرى، و قد استطاع في مرات قليلة التشكيك في مصداقية هذه الفيديوهات لعدم إمكانية التحقق من مصدرها مدعياً حيناً بأنها مفبركة و غير حقيقية ويتم تمثيلها خارج القطر أو أنها أصلاً لأحداث في مناطق داخل سوريا ولكن يتم نسبها إلى مناطق أخرى للتأثير على الرأي العام والتدليل على اتساع رقعة المظاهرات، ناهيك عن أن التعتيم الشديد الذي مارسته السلطة على جميع وسائل الإعلام الخارجية هو الذي أدى إلى هذه الحتمية، الأمر الذي جعل من الممكن حتى لمؤيدي ومنسوبي النظام السوري إرسال فيديوهات تحتوي على معلومات مغلوطة ونسبها إلى مصادر الطرف الآخر ومن ثم الإدعاء بأنها كاذبة، فالإنترنت ليس حكراً على أحد، ورغم كل ذلك فقد نجح إعلام الثورة بوسيلته الوحيدة المتاحة بالاستحواذ على الاهتمام وتسجيل النقطة تلو النقطة ضد آلة إعلامية سخرت لها إمكانيات دولة بأكملها.
فيديو البيضاء وأمطار الخير في الميدان:
أتوقف عند ما بات يعرف بفيديو البيضاء كدليل على طريقة تعامل الأطراف مع الإعلام وتأثيره على مصداقية الطرفين. فالفيديو بدايةً تم تصويره خلال اجتياح عناصر الأمن والجيش والشبيحة لقرية البيضاء القريبة من بانياس والتنكيل بأهلها لمشاركتهم في التظاهر والاحتجاج. وبرغم أن هذا الفيديو تم تصويره بواسطة الهاتف المحمول ولكن خلافاً للفيديوهات الأخرى فقد تم تصويره بواسطة أحد عناصر الأمن أو الشبيحة الذين كانوا يوسعون الأهالي ضرباً وإذلالاً في ساحة القرية يوم الثالث أو الرابع عشر من نيسان الماضي، ومن ثم تم رفعه إلى موقع يوتيوب و لم يتم التأكد إلى الآن مِن هوية مَن قام برفعه تحديداً فقد قيل بأن من صوره قام برفعه تفاخراً ثم تلقفه وقام بحفظ نسخة منه ورفعه بعد ذلك أحد ناشطي الثورة (لأن الفيديو وبعد عرضه بساعات قليلة أزيل من الموقع ثم رفع مرةً أخرى)، كما أشيع أيضاً بأن من صوره قام ببيعه بمبلغ 2000 ليرة سورية لأحد وكلاء المعارضين الذي قام ببثه لاحقاً، أو ربما يكون هناك احتمال ثالث بتسربه نتيجة لتبادله بين أفراد المجموعة التي صورته، ما يهمنا هنا أن الفيديو انتشر خلال ساعات قليلة انتشار النار في الهشيم وتناقلته وسائل الإعلام كصيدٍ ثمينٍ لما فيه من وحشيةٍ طاغيةٍ و لامبالاةٍ صارخةٍ بكرامة المواطنين العزل، لا يمكن أن تصدر إلا عن أفراد ينتمون لجهاز أمن يعتبر نفسه فوق القانون والمساءلة.
فؤجئت وسائل الإعلام السورية بالفيديو يبث على مختلف القنوات ظهر الجمعة الخامس عشر من نيسان، فما كان منها إلاّ أن سارعت لنفيه والادعاء بأنه لا يمت إلى البيضاء أو حتى سوريا من قريب أو بعيد، وإنما هو مصور منذ سنتين في شمال العراق وأن من يظهر فيه هم البشمركة يضربون مواطنيهم، و قد أفردت قناة الدنيا تقريراً تنقد فيه هذا الفيديو وتحاول الشرح والتوضيح وتسوق الأدلة التي تشير إلى أن هذه الأشكال لا تنتمي إلى الأمن السوري، وأن ملابس الجنود والأفراد من بزات عسكرية و أحذية لا تستخدمها عناصر الأمن ولا الجيش السوري، كما أنها استضافت مكالمة هاتفية لمتداخل عراقي يقسم بأغلظ الأيمان بأنه شاهد الفيديو منذ فترة طويلة وأنه حدث عنده في العراق، وقد انبرى المحللون السوريون من أمثال الدكتور الجهبذ عصام التكروري للدفاع عن نظامه متهماً القنوات الفضائية بعدم التحقق مما تقوم ببثه وإنعدام مصداقيتها وتردي مهنيتها، كل ذلك ولم تكلف أي جهة إعلامية سورية نفسها الاتصال بأحد مراسليها للتأكد من ساحة الحدث ومعرفة ما إذا كان ثمة احتمال أن يكون قد حدث فعلاً في البيضاء، ورغم كل ذلك اعتقدت أن العاصفة مرت وأنها كسبت نقطة مهمة باصطيادها من كان يحاول الاصطياد في الماء العكر، وصدقت كذبتها كما صدقته شريحة من المواطنين السوريين كونهم يثقون بإعلام نظامهم (وقد جادلني بعضهم مهاجماً الإعلام المغرض والمدفوع بالحقد والغيرة من موقف سوريا الممانع والمشرف).
إلا أن الطرف الآخر لم يسكت، وببساطة شديدة ذهب إلى ساحة القرية والتقى ببعض الأشخاص الذين تصادف ظهورهم في الفيديو ومنهم الشاب البسيط "أحمد بياسه" والذي كان يرتدي أفرولاً خاكي اللون أثناء تلقيه الركلات والعصي والإهانات (مما دفع أساطين الإعلام السوري على الاعتقاد بأنه عسكري لأن لون ملابسه قريب من لون الملابس العسكرية)، وقد تم تصوير ساحة الجريمة والضحايا ومقارنة الصورتين ومن ثم رفع الفيديو إلى حيث يجب أن يرفع، الأمر الذي شكل دليلاً لا يمكن دحضه على أن ما حدث حدث في البيضاء، وهو ما أدى حسب اعتقادي إلى إقالة مدير الأمن السياسي في بانياس، ليس لأن عناصره أساءت التصرف بفعلها الشائن، بل لأنه أساء التقدير وسمح بتسريب الصورة مما سبب إحراجاً لنظامه الممانع، وطبعاً لم ينبس أحد من جهابذة الإعلام السوري ببنت شفة تعليقاً على الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، فقد كانوا جميعاً مشغولين بالدفاع عن نظامهم الممانع بتفنيد ما تلاه من صور وتوثيق لاعترافات جديدة لموقوفين جدد بحوزتهم نفس الأسلحة التي ضبطت مع من سبقهم من معترفين، ظهر أحدهم على الفضائية السورية (أصبح يعرف بأبي نظير سلواية) وكأنه تعاطى ربع كيلو جرام من الأفيون دفعة واحدة ليقر بملءِ إرادته بأنه عضو خلية تكفيرية قامت بتخريب وحرق المنشآت والباصات في اللاذقية، وقد فات على من قام بإخراج هذا الاعتراف بأن التيار التكفيري هو التيار الأكثر تطرفاً بين تيارات السلفية الجهادية، وأعضاؤه بالتالي الأكثر تطرفاً عقدياً فهم في الغالب لا يتحدثون بالعامية ناهيك عن الصورة التي ظهر بها هذا الرجل والتي لا تمت إلى التدين بصلة.
ويأبى القدر أن يسدل الستار عن فيديو البيضاء، ليعود بطله "أحمد بياسه" إلى الواجهة بعد أكثر من شهر، حين سرب مصدر مجهول خبر مصرعه على أيدي السلطات السورية التي قامت باعتقاله وتغييبه حيث انقطعت أخباره، بعدها عرض الخبر على شاشة الجزيرة لينبري الإعلام السوري مرةً أخرى مدافعاً ومكذباً هذا الادعاء المغرض الذي يتجنى على النظام المقاوم، مصيباً نفسه مرتين بنفس الحجر، حيث قام بعرض تسجيل للشاب "الأيقونة" ينفي من خلاله خبر مصرعه، ولكنه يؤكد وجوده الذي أنكره نفس الإعلام من خلال فيديو البيضاء.
أختتم هذه التدوينة بالمقطع المصور أعلاه والمنقول من الأخبارية السورية حيث تظهر فيه المذيعة الحسناء بتسريحة شعرها المبلل بأمطار الخير (وأنا هنا أستظرف حتى لا تخسر هذه الحسناء ظرافتي) لتنتقد فيها مهنية الجزيرة، وتتحفنا بأن مبررات تفرق مظاهرة الميدان هي نفس أسباب خروجها، وأن العشرات خرجوا مطالبين بالحرية حسب ما أوردته القناة قبل يومين ثم تشير في هذا التقرير الهام الذي وردها قبل قليل إلى أنهم خرجوا ليشكروا الله على أمطار الخير كعادة أهل الشام ثم تفرقوا بفعل هذه الأمطار الأمر الذي جعلني أفوت بالحيط (أستظرف للمرة الثانية كرمال هالعيون الحلوة)، والعجيب أنها وقعت لشدة مهنيتها على الأقل في ثلاثة أخطاء لغوية من خلال قراءة خبر لا يتجاوز الخمسة أسطر رغم حرصها الشديد على اتباع القاعدة التي تقول (سكّن تسلم).
بقي أن أقول (بعد أن فتت بالحيط) أن اللي استحوا ما ماتوا، قولوا "يا لطيف" و "ربي يسر".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق