خمس ثورات في خمس دول في خمسة أشهر، شهد العالم العربي اندلاعها ضد أنظمة حكم جمهورية، أفضت اثنتان منها إلى إسقاط النظام في بلديهما وما زالت الثورات الثلاث الأخرى في ليبيا وسوريا واليمن تمضي في نفس الاتجاه وإن بطرق مغايرة نسبياً.
ففي حين دلل انتقال الثورة من بلد إلى آخر كانتقال النار في الهشيم على إدراك الشعوب لوجه الشبه الكبير فيما بينها كشعوب، ووجه الشبه بين الأنظمة التي تحكمها، غاب هذا الإدراك عن تلك الأنظمة، فلم يكد الرئيس التونسي المخلوع يعلن عن استيعابه لمطالب شعبه والذي قرر على إثره تشميع الخيط وإيثار السلامة، حتى انتقلت العدوى إلى مصر وجاء الدور على نظامها الذي صرح قبلها بأسابيع بأن مصر ليست كتونس إلا أن مصر لم تختلف عن تونس، ولم يستطع نظامها الصمود أكثر من ثمانية عشريوماً ليعلن الرئيس المصري على لسان نائبه تنحيه عن السلطة، ثم جاء الدور على نظامين آخرين لم يشذا عن نظامي مبارك وبن علي، وإن نحيا بالثورة في بلديهما منحىً آخر لكنهما قررا اتباع نفس الخطوات الأولى بحذافيرها وقررا المغامرة بمصيريهما ومصير شعبيهما بشكل دلل على ارتفاع الأنا لكل منهما فوق كل ثابت وطني أو قومي أو إنساني، ثم ما لبث السوريون أن أعلنوا عن بدء ثورتهم في الخامس عشر من آذار مارس وجاء دور النظام السوري ليعيد السيناريو في مراحله الأولى للمرة الخامسة وفي مراحله التالية للمرة الثالثة دون استفادة تذكر من التجارب السابقة .
لعل ما حدث يثير الاستغراب بحق، ولكن ما يدعو للدهشة و العجب ناهيك عن السخرية هو أن هذه الأنظمة كان ردها على أفعال الشعوب التي جثمت على صدورها لمدة تجاوزت الأربعين عاماً ينم عن غباءٍ وقلة حيلة شديدين، مع أن هذه الأنظمة سخرت كل إمكانيات الوطن لصالحها، وكان لديها الوقت الكافي لتتعلم كيف تطور فنون الحكم والسياسة وتنهض بشعوبها إلى مراتب أعلى من التقدم والرقي وتبقى في السلطة بإرادة شعوبها، لكنها ونظراً لطبيعتها الاستبداية وعدم وجود أية استراتيجية أو مشروع وطني حقيقي تستند عليه، علاوة على الفساد الذي نخر مفاصلها كنتيجة حتمية، لم تعد ترى مواطنيها شعوباً بل رعايا من طينة أقل شأناً من طينة الحاكم، فجاء رد فعل كل رئيس مطابق لمن سبقه ولا يكاد يشذ عنه أبداً، فالكل بدأ بالتجاهل والإنكار ثم بالقمع، ثم بتقديم تنازلات متأخرة، ثم باستعداد لفتح حوار، ثم استخدام مفرط للقوة (كما في ليبيا واليمن وسوريا)، ثم كان السقوط القسري تلقائياً أو بتدخل أجنبي (أو سيكون) ، وإذا استثنينا النظام التونسي الذي لم يتسنَ له الاستفادة من تجربة الآخرين كونه الثور الأبيض، فلا بد أن نقر بغباء ما تلاه من أنظمة.
المعطيات:
بإمكاننا أن نستنتج بوضوح مما جرى في الأقطار الخمسة أن بواعث الثورة نبعت مما يلي:
أولاً:
الحكم المطلق لفترات طويلة نتج عنه إحساس رئيس الجمهورية أو القائد بأنه يملك مقدرات البلاد وليس أميناً عليها، وكذلك إقصاء المعارضة الحقيقية أدى بالأنظمة إلى الجمود وعدم التطور، فلم تعد النخب الحاكمة مشحونة باتجاه التطور لانعدام أي قطب آخر، ففقدت الدافع على التخطيط والقيادة الذين يشكلان أهم وظائفها، فركنت إلى الخمول و التسابق في جمع الثروات، وأضحى الحاكم وجماعته شركاءً أصيلين في جميع الأعمال التجارية، وأصبحت مقدرات البلاد نهباً له ولحاشيته يتصرف فيها كما يشاء، ويبيعها لمن يشاء وبأي سعر يشاء، وقد غذّى ذلك كله إنعدام مطلق للخوف من المحاسبة، حتى لم يعد يتفنن في تغطية السرقة بل أصبحت سرقة مال الدولة وأراضيها على المكشوف.
ثانياً:
كأحد نتائج الاستبداد يصبح الدخول إلى دائرة الحكم مرتبطاً بالولاء المطلق، ولا يعتمد على الكفاءة الأمر الذي أوصل عديميها إلى أرفع المناصب القيادية في مختلف المجالات، ولأن الكفاءة تحتاج إلى فكر وعمل يؤديان بصاحبهما إلى الترفع عن النفاق ناهيك عن إحساسه بعدم الارتياح - على الأقل - عندما يضطر لتنفيذ الأوامر الصادرة عن جهة يعلم علم اليقين أنها أقل منه رصيداً فكرياً وكفاءة، مما اضطره إلى الانزواء والعزلة أو الخروج من وطنه بحثاً عن فرصة ترضي طموحه، وأصبح الميدان حكراً على الموالين قليلي الكفاءة فكانت النتائج كارثية.
ثالثاً:
لم يعد الحاكم يكتفي رغم سوء أدائه بالمجد الآني بل أراد أن يخلد بعد رحيله، وأن يستمر نسله أو ذووه من بعده، الأمر الذي شكّل سابقة خطيرة في التاريخ المعاصر لا تتسق مع السير الطبيعي للتاريخ، وقد يكون هذا العامل أهم العوامل الباعثة للثورة لأنه سد أفاق الأمل بمستقبل أفضل في وجه شرائح واسعة من المجتمع، الذي ثار رغم إحساسه بالضعف والتفكك عند أول سانحة ودون أدنى دراسة لجدوى الثورة وما سيدفعه ثمناً لها وهو موضوع سيشكل مادة غنية للبحث في أعماقها مستقبلاً.
رابعاً:
وكنتيجة طبيعية لما ورد في النقاط السابقة بدأ الفساد يتسع ويتغول بشكل لم يسبق له مثيل ليشمل كل قطاعات الدولة وفي كل مستويات الهرم، الأمر الذي أدى إلى تردي الخدمات والبنى التحتية وخاصة في المناطق الريفية، والأحياء المكتظة داخل المدن، وفي ظل عجزها عن تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين وتحت مسميات تحرير الاقتصاد بدأت الدولة بخصخصة القطاع الحكومي وهو الملاذ الأخير للمعدمين ومحدودي الدخل الذين يشكلون غالبية المجتمع، ليتم بيعه بصفقات مشبوهة صبت بشكل غير مباشر في جيوب الحاكم و أعوانه.
خامساً:
استوجب ما سبق اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم مما نتج عنه فقدان ثقة المواطن بالنظام الحاكم وهو شعور خطير جداً أفضى قبل اندلاع الثورة إلى ضعف الشعور بالمواطنة ومن ثم اللامبالاة وتضخم الأنا الشخصية للفرد على حساب الآخرين، وهو ما يفسر عدم اكتراث الشعوب بعد اندلاع الثورة بأي تنازل يقدمه نظامه الحاكم، بل يصبح التنازل بغض الطرف عن مصداقيته مؤشراً على ضعف السلطة التي لم يعتد المواطن منها إلا الإقصاء والتجبر، مما جعل المعادلة تبدو بحسب تعبير المتنبي : من أطاق التماس شيئٍ غلاباً واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا.
سادساً:
وكأحد النتائج المترتبة على سياسة الإقصاء الطويلة والممنهجة وانعدام المعارضة التي تملك القدرة على الفعل و كذلك اضمحلال دور مؤسسات المجتمع المدني، لم تجد الأنظمة أي طرف يملك رصيداً سياسياً يمكن أن تحاوره، أو تتنازل له عن جزء من الكعكة مقابل مساعدتها في تهدئة الشارع الثائر الذي لم يعد لديه مطلب أقل من إسقاط النظام لأنه في ظل انعدام الثقة وعدم وجود ضامن لا مناص لحدوث التغيير من سقوط النظام.
سابعاً:
لم يكن أحد من القادة الخمسة سالفي الذكر صالحاً أو مؤهلا للقيادة، لأنهم لم يملكوا أية استراتيجية أو رؤية حقيقية للمستقبل وظهر فهمهم للسياسة في طريقة معالجة الأزمة كفهم بائع خضار بالجملة للتجارة، يطلب سعراً أعلى في سلعته من السعر الذي ينوي أن يبيع به ليفاوض المشتري على تخفيض هذا الفرق وبذلك لن يمس بهامش الربح الذي يريده، وهو أمر قد يفيد في حلبة الخضار لكنه لا يفيد في سياسة الدول.
النتائج:
إذا نظرنا إلى كل قطر من الأقطار الخمسة على حدة وأجرينا مقارنة بينها نجد أن البواعث السابقة التي شكلت المعطيات تشابهت في جميع الحالات، وقد أدت إلى سقوط نظامي كل من بن علي ومبارك بفعل الثورتين الناجزتين، و عدم قدرة أنظمة القذافي وصالح والأسد على إيقاف قطار الثورة في أقطارهم لأنهم اتبعوا نفس الأساليب تقريباً، لذا ستكون النتيجة بالضرورة سقوط الأنظمة الثلاثة التي بدأت تتأرجح بشدة وإن كان شكل السقوط مختلفاً ومتفاوت التكلفة.
لقد أثبتت الثورات العربية بأن المستبد ومهما تفنن في الخداع إلا أنه غبي قصير النظر لايتعلم من أخطاء من سبقه ونهايته الحتمية مزابل التاريخ ليصبح فيها محطاً للعنات، وهو علاوة على ذلك خائن لوطنه وأبناء جلدته، لا يتورع عن التآمر مع أعداء أمته للبقاء أطول مدة على كرسي حكمه، فهل يفهم هذه الدروس من سيأتي بعد من مستبدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق